
في وادي الصمت
قال قلبي لي: لا تحزن على من مضى، فإن الأنهار لا تعود إلى ينابيعها، ومع ذلك لا تفقد عذوبتها.
فوقفتُ عند مفترق العمر، لا أنتظر قادمًا، ولا أودّع راحلًا، بل أنظر إلى نفسي كما ينظر المسافر إلى آخر مصباحٍ خلفه، ثم يتابع سيره مطمئنًا إلى ظلمة الطريق.
ما عدتُ أطلب منكِ قربًا، ولا أخشى منكِ بُعدًا؛ لأن النفس التي عرفت حقيقتها لا تعود أسيرة نافذةٍ أُغلقت، ولا بابٍ لم يُفتح. إنما تتجه إلى الأفق، حيث لا يملك أحدٌ أن يمنحها الحرية أو يسلبها إياها.
كنتُ أظن أن الحب امتلاك، حتى علّمني الفقد أن الحب تحرير. وكنتُ أظن أن اللقاء هو اكتمال الروح، حتى أيقنت أن الروح لا يكتمل نورها إلا عندما تتصالح مع وحدتها.
لن أقول إنني نسيتك، فالنسيان موتٌ صغير، وما مات في القلب يومًا ما كان صادقًا. ولكنني تجاوزت الحاجة إلى حضورك، كما تتجاوز الشجرة أوراق الخريف وهي واثقة أن الربيع لا يولد من الورقة الساقطة، بل من الجذر الباقي.
اذهبي حيث يقودك قدرك، وسأمضي حيث يقودني يقيني. فإن كانت الأرواح قد كُتب لها أن تلتقي، فلن يمنعها بحرٌ ولا زمن. وإن كُتب لها أن تفترق، فلن يجمعها بيتٌ واحد ولا ألف وعد.
لقد أُسدل الستار، لا لأن المحبة انطفأت، بل لأن الحكمة أشرقت. وما أوجع القلب ليس الرحيل، بل أن يظل واقفًا عند بابٍ أغلقته الحياة منذ زمن.
سلامٌ عليكِ... لا سلام الوداع، بل سلام النفس حين تكفّ عن المطالبة، وتكتفي بأن تبارك ما كان، وتمضي إلى ما سيكون.
أرى أن هذا النص هو الأقرب إلى روح جبران: لغة تأملية، ورمزية، وحكمة تتجاوز العتاب، فيغدو الحديث عن الرحيل حديثًا عن اكتمال الإنسان لا عن خسارته.