
ترامب يقترح إسناد مواجهة حزب الله إلى دمشق بدل تل أبيب: تحول تكتيكي أم بداية إعادة هندسة للمشرق؟
في تطور سياسي لافت صدر اليوم على هامش قمة مجموعة السبع، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه اقترح على إسرائيل "أن تترك سوريا تتولى التعامل مع حزب الله"، مضيفاً أنه يعتقد أن دمشق "ستقوم بالمهمة بشكل أفضل". كما انتقد أسلوب العمليات الإسرائيلية في لبنان، معتبراً أن الحرب استمرت طويلاً وأن حجم الخسائر المدنية أصبح مرتفعاً.
وبحسب تصريحات نقلتها عدة وسائل إعلام اليوم، قال ترامب حرفياً إنه إذا كانت إسرائيل "لا تستطيع إنجاز المهمة ضد حزب الله دون قتل الجميع"، فإن سوريا "ستنجز المهمة". كما دعا إلى عمليات أكثر "دقة وجراحية" ضد الحزب بدلاً من التدمير الواسع للبنية المدنية.
تأتي هذه التصريحات بعد سلسلة مواقف أطلقها ترامب خلال الأيام الأخيرة أشاد فيها بالرئيس السوري أحمد الشرع، معتبراً أن القيادة السورية الجديدة تقوم "بعمل جيد"، ومشيراً أكثر من مرة إلى إمكانية أن تلعب دمشق دوراً في معالجة ملف حزب الله في لبنان.
ماذا تعني تصريحات ترامب عملياً؟
حتى الآن لا توجد مؤشرات على وجود خطة أمريكية معلنة لتدخل عسكري سوري مباشر داخل لبنان ضد حزب الله، كما لم يقدم ترامب تفاصيل تنفيذية حول طبيعة الدور السوري المقصود. غير أن تكرار الحديث عن "دور سوري" في ملف الحزب يوحي بأن واشنطن تنظر إلى دمشق الجديدة بوصفها جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع بعد سقوط نظام الأسد وإعادة تشكيل التوازنات في بلاد الشام.
القراءة الأكثر واقعية للتصريحات تشير إلى ثلاثة مستويات محتملة:
أولاً:
ضبط الحدود وخنق خطوط الإمداد
السيناريو الأقرب عملياً يتمثل في تشديد الرقابة السورية على الحدود السورية ـ اللبنانية ومنع إعادة بناء شبكات التسليح والتهريب المرتبطة بحزب الله. وهذا هدف يتوافق مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية واللبنانية الرسمية في آن واحد.
ثانياً:
ضغط سياسي وأمني غير مباشر
واشنطن قد تكون بصدد تشجيع دمشق على استخدام نفوذها الأمني والعشائري والحدودي لتقليص مساحة الحركة المتاحة للحزب داخل الإقليم، دون انخراط عسكري مباشر.
ثالثاً:
إعادة توزيع الأدوار الإقليمية
الأكثر أهمية أن تصريحات ترامب تعكس تصوراً جديداً: بدلاً من الاعتماد الحصري على إسرائيل في احتواء حزب الله، يمكن إشراك أطراف عربية وإقليمية في هذه المهمة، وفي مقدمتها سوريا الجديدة. وهذا يمثل انقلاباً كاملاً على المعادلة التي حكمت المنطقة لعقود، عندما كانت دمشق نفسها الحليف الاستراتيجي الأهم للحزب.
اللافت أن تصريحات ترامب لم تتضمن فقط الحديث عن سوريا، بل حملت انتقاداً مباشراً للأداء الإسرائيلي في لبنان، حيث قال إن إسرائيل تستغرق وقتاً طويلاً في حربها ضد حزب الله وإن عدد المدنيين الذين يُقتلون كبير جداً.
ويرتبط ذلك على الأرجح بمحاولة الإدارة الأمريكية تثبيت التفاهمات الجارية مع إيران بعد الاتفاق المبدئي الذي أعلن عنه مؤخراً، إذ ترى واشنطن أن استمرار الحرب المفتوحة في لبنان قد يهدد المسار التفاوضي الأوسع مع طهران.
إذا جرى التعامل مع تصريحات ترامب باعتبارها أكثر من مجرد انفعال إعلامي، فإنها تكشف عن ملامح مشروع إقليمي جديد يقوم على أربع ركائز:
- تحييد حزب الله تدريجياً بوصفه ذراعاً إيرانية مستقلة.
- إعادة تأهيل سوريا الجديدة كشريك أمني إقليمي.
- تقليص الحاجة إلى العمليات الإسرائيلية الواسعة داخل لبنان.
- فصل الساحة اللبنانية عن الصراع الأمريكي ـ الإيراني المباشر.
باختصار:
في المدى القريب، لا يبدو أن دمشق ستدخل في مواجهة عسكرية مباشرة مع حزب الله داخل الأراضي اللبنانية، بل إن المؤشرات الحالية ترجح أدواراً أمنية وحدودية وسياسية أقل كلفة وأكثر قابلية للتنفيذ.
أما في المدى المتوسط، فإن استمرار حديث ترامب عن سوريا بوصفها شريكاً في معالجة ملف الحزب قد يكون مقدمة لمحاولة أمريكية لإعادة رسم الخريطة الأمنية للمشرق، بحيث تتحول دمشق من جزء من "محور المقاومة" السابق إلى أحد مكونات النظام الإقليمي الجديد الذي تعمل واشنطن على بنائه بعد حرب 2026.
لذلك يمكن القول إن أهمية تصريحات ترامب لا تكمن في احتمال قيام الجيش السوري بقتال حزب الله غداً، بل في أنها تكشف للمرة الأولى عن تصور أمريكي معلن يعتبر أن مستقبل احتواء الحزب قد يمر عبر دمشق أكثر مما يمر عبر تل أبيب. وهذا بحد ذاته تطور استراتيجي يستحق المتابعة الدقيقة خلال الأسابيع المقبلة.