
حبٌّ لا يموت
كنتُ أعلم منذ البداية أن هذا النوع من الحب لا يعد أصحابه بالراحة. لم يكن حبًا يمنحني يقين القرب، ولا يطمئنني إلى حضور دائم ومستقر. كان أشبه بالإقامة في محطة قطار مهجورة؛ أنتظر، وأنتظر، ومع ذلك لم يخطر ببالي يومًا أن أغادر.
أحببتها دون شروط، ودون أن أحسب الربح والخسارة. لم أسأل نفسي يومًا ماذا سأجني من هذا الحب، ولم أفكر فيما قد أخسره بسببه. كان السؤال الوحيد الذي يسكنني هو: كيف أبقى وفيًا لما أشعر به؟
كانت تغيب طويلًا أحيانًا، حتى يخيل إليّ أن الزمن نفسه قد تواطأ معها ضدي. كانت الفصول تتعاقب، والوجوه تتبدل، والأيام تمضي، بينما تظل هي ثابتة في أعماقي، لا تزحزحها المسافات، ولا تمحوها السنوات. لم أستطع أن أستبدلها بامرأة أخرى، ولا أن أستبدلها بحياة أخرى.
والأغرب أن هذا الحب لم يشعرني يومًا بالضعف، بل كان يمنحني صلابة غامضة لا أجد لها تفسيرًا. أما الناس من حولي فلم يفهموا ذلك. لاموني، وسخر بعضهم من عنادي، ونصحني آخرون بأن أنقذ نفسي. لكنني كنت أعلم أن النجاة الحقيقية ليست في الهروب مما نحب، بل في الصدق مع الذات، مهما كان الثمن باهظًا.
عرفت بيني وبينها خصومات كثيرة، وصمتًا مثقلًا بالكلمات، وصراخًا مؤجلًا لا يجد طريقه إلى الخروج. ثم كنا نعود، وكأن شيئًا لم يكن. لم يكن ذلك تناقضًا، بل كان الإيقاع الخاص لهذا الحب؛ حبٌّ يتعثر كثيرًا، لكنه لا يسقط.
لم أحلم يومًا بامتلاكها، ولم أتمنَّ أن تتغير لأجلي. كان يكفيني أن أحبها كما هي، وأن يظل هذا الشعور حيًا في داخلي، حتى وإن كنت أحمله وحدي.
كنت أعلم أن العشاق غالبًا ما يطلبون القرب، أما أنا فكنت أطلب شيئًا أعمق وأبقى؛ كنت أطلب أن يبقى الحب نفسه نقيًا، غير ملوث بالمصالح، ولا مشروطًا بالنتائج.
وكان يسكنني يقين غامض، لا أعرف من أين جاء، لكنه كان يقول لي دائمًا إن حب الروح هو الذي يبقى، أما حب الجسد فمصيره إلى الزوال. لذلك كنت أدرك أن ما أحمله لها يتجاوز الرغبة العابرة والاحتياج المؤقت، ليقترب من أسمى المعاني التي يمكن أن يبلغها الحب.
وحين عادت، ولو لوقت قصير، لم أشعر بأنني انتصرت، بل شعرت فقط أن قلبي استعاد نبضه الطبيعي. لكنّها، وكعادتها، رحلت من جديد، وعدت أنا إلى انتظاري القديم؛ انتظار هادئ، صبور، وعنيد.
لم تغيّرني السنوات، ولم تصغرني المسافات، ولم تجعل القطيعة قلبي أكثر قسوة. بقيت كما كنت؛ رجلًا أحب بعمق، وتقبّل الألم بوصفه جزءًا من المعنى، لا عقوبة عليه.
وفي النهاية، لم أكن أعلم إن كانت تدرك حجم ما فعلته بي، ولا إن كان ذلك يعني لها شيئًا أصلًا. لكنني كنت متأكدًا من حقيقة واحدة لم أساوم عليها يومًا:
أن هذا الحب، بكل ما حمله من شجن وغياب وانتظار، كان الحقيقة الوحيدة التي بقيت صادقة في حياتي.
لقد خذلتني أشياء كثيرة، وخذلني أشخاص ظننت يومًا أنهم باقون، وتبدلت وجوه ومواقف وأزمنة، إلا هذا الحب. لم يخذلني يومًا، لأنه ظل وفيًّا لنفسه، وظللت أنا وفيًّا له.
ولهذا، لم أندم عليه رغم ما أورثني من ألم، ولم أتمنَّ لو أنني أحببت أقل أو نسيت أسرع. كنت أراه قدرًا جميلًا وقاسيًا في آن واحد، قدرًا علّمني أن بعض المشاعر لا تُقاس بما تمنحه لنا من سعادة، بل بما تمنحه لأرواحنا من معنى.
وإذا كان لكل إنسان حقيقة أخيرة يتمسك بها حين تتساقط كل الحقائق من حوله، فإن هذا الحب كان حقيقتي الأخيرة... والحقيقة الوحيدة التي لم أخنها ولم تخنّي.