الثقافة والفن

خمرُ النظرة الأخيرة

نُشر في ١٣‏/٧‏/٢٠٢٦، ٢:٠٩:٣٠ م

56323.png


خمرُ النظرة الأخيرة :

كنت أقول دومًا إن الخمر يُسكر من يعاقر كأسه، لكنني لم أذق في حياتي سُكرًا أشد من ذاك الذي عرفته حين نظرتُ في عينيها، كان هذا في مكان كنت افضله لاسيما بصحبتها، أنه ( الفيرساي )، لم تكن لتحمل كأسًا يوما، ولا كانت ترفع نخبًا لبشر في غيابي، كونها كانت تسقيني بنظراتها لوحدي، حتى أكاد أفقد وعيي، وأغيب عن الدنيا، وكأنني أتذوق نشوة لا يعرفها إلا من أحبّ بصدق...
عيناها:
يا الله، كم كان فيهما من سحرٍ مترف، ودهشةٍ تُرعب القلب وتُنسيه اتّزانه...
كاد سحرهما يهلكني، ولم أكن أُبالي، كنت أُحدّق فيهما كمن وجد وطنه في طرف رمش، وأدمنت النظر إليهما كمن لا يُشفى من تعبه إلا فيهما...
لم أكن أصبر عن البقاء قربها، ولم أعرف يومًا كيف أشيح ببصري عنها...

اليوم، كل شيءٍ تغيّر، لكنها بقيت في الذاكرة كما كانت :
خمرٌ بلا كأس، وسحرٌ لا يُنسى، وذكرى تشتعل كلما أغمضتُ عيني...

وأذكر تلك اللحظة كما لو أنها حدثت البارحة :
كانت الشمس تميل للغروب، والهواء محمّلًا بشيءٍ من نسمة الجنوب، كأن الحزن سبقنا إلى الموعد...

وقفتُ أمامها صامتًا، عاجزًا عن قول أي شيء، أبحث في عينيها عن مخرج، عن فرصة أخيرة، عن تراجع...

لكن عينيها، اللتين أسكرتاني يومًا، كانتا هذه المرة ممتلئتين بالحزن، كان محمد وعلي حاضران يحتفلان بقتل حبنا...

نظرت إليّ طويلاً، وكأنها تودّع شيئًا منها في داخلي، ثم استدارت ومضت، ببساطة مؤلمة...

لم تترك لي سوى تلك النظرة الأخيرة، نظرة كانت أكثر صدقًا من ألف وداع، وأقسى من كل الفراق، ومنذ ذلك اليوم، وأنا كلما اشتبد الحنين بي أعود إليها…

أسترجع عينيها، كما لو أنني ألمس بابًا خلفيًّا للزمن، أدخله فقط كي أتذكّر أنني كنتُ يومًا أحب، وكنتُ يومًا حيًا.