
قلوبٌ ملأى وعقولٌ مخربة:
مأساة سورية في مرآة الزمن.
بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
بدأت الحكاية من مطار "هيثرو" في لندن، هناك حيث تحول "الشروع في الفعل" قانونياً إلى جرمٍ ناجز، وحيث حُمِّلت دمشق وزر إرهابيّ ثلاثيّ الجنسية—أردنيّ من أصل فلسطيني، يحمل جوازاً سورياً. لم تكن المسألة مجرد تفاصيل قانونية، بل كانت، كما يختصرها المثل الشامي العتيق، "القصة مو حبة رمانة، القصة قلوب مليانة". انهمرت العقوبات الاقتصادية القاسية على سورية كالمطر الأسود، فضيقت سبل العيش، وغدت لقمة المأكل، وقطرة الدواء، وأبسط مقومات الحياة، عزيزةً تُنال بشق الأنفس وطوابير العناء...
في تلك الأيام الخانقة، كنت في اجتماع عمل مع نظيرٍ لي يُدعى "أبو خالد" كان يقود قطاعاً جغرافياً آخر يعود لنفس الفرع، ومع انفضاض الاجتماع، التفتُّ إليه عارضاً فكرةً كانت بمثابة طوق نجاة في زمن الشح:
"ما رأيك أن نشتري بعض المواد التموينية؟ دون طوابير، ودون زحام، وبأجود الأنفس والنوعيات"...
رحّب بالفكرة على الفور، ويممنا شطر مؤسسة استهلاكية يديرها صديقٌ لي يُدعى "أبو رفعت"...
استقبلنا "أبو رفعت" بحفاوة بالغة وأدبٍ جم، بل إنه أصرّ من فرط كرمه أن يجلسني مكانه ولم افعل طبعا، ثم أشار إلى موظفيه، فتحولت الرغبات إلى واقع؛ نُزِّلت أفضل أصناف الزيت والسمن، ولحم الخروف الطازج، والمحارم الورقية، مع الرز والسكر والشاي، ونُقلت كلها بأمرٍ منه وبمنتهى العناية إلى صندوق السيارة، ودّعنا الرجل حتى الباب الخارجي بابتسامة دافئة وشياكةٍ لا تُنسى...
بينما كنا نتقاسم الغنيمة التموينية في السيارة، دعاني "أبو خالد" لتناول الغداء في نادي ضباط القوات المسلحة، وهناك، ومع أول كأسٍ يلامس الشفاه، تنهد "أبو خالد" بمرارة وقال:
"الله لا يوفقه!"...
سادني وجوم مباغت، وظننت أنه يذم صديقي "أبو رفعت"، فقلت مستنكراً: - "لماذا؟..
- هل قصر الرجل معنا في شيء؟!"...
ابتسم "أبو خالد" بمرارة أخفض لها صوته، ثم أشاح بعينيه نحو صورة ضخمة لـ "حافظ الأسد" تتوسط الجدار، وأردف:
"لا أقصد صديقك الذي أكرمنا ونضح أدباً، بل أقصد هذا... أترى حالنا؟..
أنا الذي كان جدي الشيخ حسين صاحب ناحية 'زاكية' ووجيهها، أجد نفسي اليوم منتشياً وطائراً من الفرح لمجرد أنني حصلت على بعض السمن والزيت دون وقوفٍ في ذل الطوابير!".
ثم تملكه غضبٌ فلسفيّ مكتوم، وتابع بحدة:
"والله لو كنت صانع قرار، لأعدمتُ كل سوريّ بدءاً من أطفال الإعدادية!"...
سألته مستهجناً ومازحاً لألطف الأجواء:
"ولِمَ كل هذا الوعيد؟!"...
أجابني بيقينٍ حزين:
"لأن من ولد في هذه البلاد، وتخطى الابتدائية، فقد تخرب عقله ووجدانه، وانتهى أمره"...
دارت الأيام دورتها، وتوالت العقود، لتقذف بي الذاكرة اليوم إلى تلك الكلمات القاسية، وأنا أتابع فصلاً جديداً من فصول الرد والرد المضاد على منصات التواصل الاجتماعي، القصة تدور حول اعتداءٍ طال سيدة من ريف "جبلة"؛ انبرى قطاعٌ واسع لتكذيبها، ليس بناءً على دليل أو برهان يدحض روايتها، بل لمجرد خلفيتها "العلوية"، وبالمقابل انبرى آخرون لتصديقها أو شتم مكذبيها لأنهم من "السنة"...
في تلك اللحظة، رددتُ في سري مقولة "أبو خالد" القديمة، وشعرت برغبة عارمة فيما لو تضرب هزة أرضية أو بركان جارف هذه البلد "الطائفية"، فلا تبقي فيها ولا تذر، إلا أولئك الأطفال الصغار الذين لم يتلوثوا بعد، ولم تدركهم يد الخراب الروحي.