
طوافُ القناديل في أفق الغياب
حبيبتي الغالية:
حين يطوي النهار آخر صفحاته، ويفرش الليل عباءته الوادعة على الكون، تتهادى الشهب في أعالي السماء كقناديلَ مسافرة، تجوب الفضاء وكأنها تبحث عن قلبٍ أضناه الشوق، أو روحٍ أرهقها الانتظار. أما قلبي، فلا يهتدي بضوء نجم، ولا يستأنس ببريق كوكب؛ إذ جعل من نوركِ قبلته، ومن حضوركِ وطنه الذي لا يعرف سواه...
يا بهجة العمر، ويا غاية الروح، إن القلب بكل ما اختزن من حب، والنفس بكل ما سكنت فيها من أشواق، قد سلّما قيادهما إليكِ. فما عادت روحي تعرف معناها إلا إذا مرّ طيفكِ بها، ولا اكتست الحياة جمالها إلا حين يلامسها عبير حضوركِ، فتغدو الدنيا أكثر دفئًا، ويغدو الوجود أكثر امتلاءً بالنور...
أرفع بصري الليلة إلى السماء، علّني أجد ما يخفف وطأة الغياب، فإذا بالشهب تخبو، والنجوم تنحني في صمتٍ مهيب، وكأنها تعترف بعجزها أمام إشراقة وجهكِ. فما من ضوءٍ في هذا الكون يضاهي بريق عينيكِ، ولا من بدرٍ يملك سكينة ابتسامتكِ، ولا من نسيمٍ يحمل من الرقة ما تحمله همسةٌ منكِ...
فلتكن ليلتكِ عامرةً بالسكينة، ومساؤكِ مزدانًا بالطمأنينة، ولتبقَي كما عهدتكِ... النور الذي تهتدي إليه الروح، والضياء الذي لا يخبو في سماء القلب.