
واشنطن ولبنان بين المفاوضات والتصعيد الإسرائيلي: جولة حاسمة وسط تعقيدات إقليمية ودولية
شهدت الساعات الأخيرة تطورات سياسية وأمنية متسارعة على أكثر من مستوى، من المفاوضات الأميركية – الإيرانية إلى الملف اللبناني – الإسرائيلي، مروراً بالتحضيرات لزيارة مرتقبة لرئيس الجمهورية اللبنانية جوزف عون إلى الولايات المتحدة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تعثر مسار التهدئة في جنوب لبنان.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر دبلوماسية أميركية أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو سيجري اتصالاً بالرئيس اللبناني جوزف عون لاستكمال البحث في تفاصيل الزيارة المرتقبة إلى البيت الأبيض خلال شهر تموز المقبل، في خطوة تعكس اهتمام الإدارة الأميركية بالملف اللبناني في ظل التطورات الإقليمية الراهنة.
بالتوازي، أعلن البيت الأبيض أن مشكلات لوجستية مرتبطة بالمفاوضات الجارية حالت دون سفر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى سويسرا الليلة الماضية، فيما أكدت السلطات السويسرية أن جولة المحادثات الأميركية – الإيرانية التي كانت مقررة اليوم لن تُعقد وفق الجدول الزمني المعلن سابقاً، ما يضيف مزيداً من الغموض إلى مستقبل هذه المفاوضات الحساسة.
وفي تطور لافت، أفاد مسؤول بحري أميركي لشبكة "CBS" بأن أحد المسارات البحرية الرئيسية لا يزال مغلقاً بسبب وجود نحو ثمانين لغماً بحرياً تحتاج إلى عمليات إزالة وتأمين قبل إعادة فتحه أمام حركة الملاحة الطبيعية.
أما على الساحة اللبنانية، فتتجه الأنظار إلى الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية في واشنطن الأسبوع المقبل، وسط آمال بإحداث تقدم ملموس في المسار اللبناني – الإسرائيلي. وتُنظر إلى هذه الجولة باعتبارها فرصة لتعزيز استقلالية المقاربة اللبنانية للملف الحدودي والأمني، والحد من ارتباطه بالتجاذبات الإقليمية الأوسع.
غير أن هذه الآمال تصطدم بمواقف إسرائيلية متشددة. فقد بادرت إسرائيل إلى اتخاذ خطوات ميدانية جديدة ونشرت خريطة محدثة لما تسميه "المنطقة الأمنية" داخل جنوب لبنان، في خطوة اعتبرها مراقبون رفضاً عملياً للالتزام بالتفاهمات الدولية الرامية إلى تثبيت وقف الأعمال العسكرية على الجبهة اللبنانية.
وتؤكد التطورات الأخيرة استمرار الالتباس بشأن مستقبل الانسحاب الإسرائيلي من المناطق الجنوبية المحتلة، إذ لم تظهر حتى الآن مؤشرات عملية على قرب هذا الانسحاب، خلافاً لتوقعات سابقة تحدثت عن إمكان توفير ضمانات إقليمية ودولية لتحقيقه.
وفي مواجهة هذه المستجدات، كثفت الدولة اللبنانية استعداداتها السياسية والعسكرية. فقد ترأس الرئيس جوزف عون اجتماعاً في قصر بعبدا ضم قائد الجيش اللبناني وأعضاء الوفد المفاوض والفريق الاستشاري المرافق، حيث جرى تقييم التطورات الأخيرة ووضع اللمسات النهائية للتحضير للجولة التفاوضية المرتقبة بين 23 و25 حزيران الجاري.
وخلال الاجتماع، شدد الرئيس عون على ثوابت الموقف اللبناني، وفي مقدمتها التمسك بوقف نهائي لإطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة، وانتشار الجيش اللبناني على كامل الحدود الدولية المعترف بها، إضافة إلى عودة الأسرى اللبنانيين وإطلاق عملية إعادة إعمار المناطق المتضررة.
وتستند بيروت في جانب من موقفها إلى البند الأول من مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، والذي ينص على وقف فوري ودائم لجميع العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بما فيها الساحة اللبنانية، مع الامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها واحترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه.
في المقابل، يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التمسك بخيار الإبقاء على المنطقة الأمنية داخل الأراضي اللبنانية، معتبراً أن ضمان أمن المستوطنات الشمالية في إسرائيل يتطلب استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي وعدم الانسحاب في المرحلة الحالية.
كما نقلت تقارير إسرائيلية أن نتنياهو أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفضه الانسحاب من تلك المنطقة طالما أن الاعتبارات الأمنية، وفق الرؤية الإسرائيلية، ما زالت قائمة. وأكدت مصادر إسرائيلية استمرار التمسك بالوجود العسكري في الجنوب اللبناني.
وتنسجم هذه المواقف مع توصيات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي دعت إلى الحفاظ على حرية الحركة والعمل العسكري في مختلف الأراضي اللبنانية، والإبقاء على منطقة عازلة جنوباً، مع مواصلة الضغوط الرامية إلى تفكيك السلاح في تلك المنطقة.
وفي خطوة أثارت ردود فعل واسعة، نشر الجيش الإسرائيلي خريطة جديدة توضح مناطق انتشاره داخل جنوب لبنان، مشيراً إلى أن قواته تتمركز ضمن نطاق يمتد إلى نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، بذريعة مواصلة إزالة التهديدات الأمنية.
ميدانياً، شهد الجنوب اللبناني تصعيداً ملحوظاً تمثل في سلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية. فقد استهدفت طائرة مسيّرة سيارة في بلدة كفرتبنيت ما أدى إلى سقوط قتيل وجريح، كما شنت غارة على بلدة حداثا، وأطلقت النار باتجاه الجيش اللبناني والأهالي في عدد من المناطق الحدودية. كذلك ألقيت قنبلة على بلدة بيت ياحون أسفرت عن إصابة شخصين، إضافة إلى قصف طال النبطية الفوقا وأعمال تجريف نفذتها القوات الإسرائيلية في منطقة الخيام.
سياسياً، برز موقف لحزب الكتائب اللبنانية شدد فيه على رفض أي طرح يقوم على تدخل سوري مباشر في الشؤون اللبنانية، معتبراً أن معالجة الملفات المشتركة بين البلدين يجب أن تتم من خلال المؤسسات الرسمية ووفق قواعد تحترم السيادة اللبنانية الكاملة.
وأكد الحزب أن العلاقة المستقبلية بين لبنان وسوريا ينبغي أن تقوم على أسس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والتعاون بين دولتين مستقلتين تتمتعان بالسيادة الكاملة.
وفي هذا الإطار، أشاد الحزب بموقف الرئيس السوري أحمد الشرع الرافض للدعوات التي طالبت بتدخل عسكري سوري في لبنان، معتبراً أن هذا الموقف يشكل مؤشراً إيجابياً على احترام سيادة لبنان ويفتح الباب أمام بناء علاقات طبيعية ومتوازنة بين البلدين في المرحلة المقبلة.
وبين تعثر المفاوضات الإقليمية، والتشدد الإسرائيلي، والتحركات الدبلوماسية الأميركية، تبدو الأيام المقبلة حاسمة بالنسبة للبنان، خصوصاً مع اقتراب جولة واشنطن التفاوضية وما قد تحمله من نتائج ستنعكس مباشرة على مستقبل الجنوب اللبناني والاستقرار في المنطقة بأسرها.