أصداء السيف والدم والنص... تراجيديا الروح والسلطة

Salah Kirata • ٢١‏/٦‏/٢٠٢٦

50101.png


 أصداء السيف والدم والنص...
 تراجيديا الروح والسلطة:

في اللحظة التي أُغمضت فيها عينا أبي بكر، كانت المدينة واحةً ترتجف في مهب ريحٍ لم تهبّ من قبل. تطلع الجميع نحو عمر، الرجل الذي لم يكن الظل يُشبهه، بل كان هو من يرسم حدود الظل. جاء عمر ومعه هيبة الصحراء وصرامة الفكرة، حازماً كحدّ سيف، يسابق الريح ليصنع من القبائل المبعثرة، التي كانت تقتتل على قطرة ماء، إمبراطورية تقرع أبواب التاريخ شرقاً وغرباً. كان يرى في اندفاع الجيوش نحو الشام والفرس ومصر وسيلةً ليست فقط لحفظ الدين، بل لإخماد النيران الكامنة في نفوس العرب، فوجه طاقاتهم نحو الخارج، محولاً الخصومات القبلية إلى مشروع دولة عظمى كبرت بوتيرةٍ مذهلة. لكن، خلف غبار المعارك وصهيل الخيل، كانت الهواجس تنمو في قلب الفاروق؛ فالرقعة تتسع، والسيطرة على الولاة وقادة الجيوش تزداد تعقيداً، مما جعله يمسك بمفاصل الدولة بقبضة من حديد، مقتصراً على وجوهٍ يثق بها من قريش لتظل السلطة في مركزها.
ومع رحيل عمر، انطوت صفحة الصرامة والترقب، لتنفتح صفحة عثمان بن عفان، الحييّ الجواد، الذي دخلت معه الدولة مرحلةً جديدة لم تعد تلتفت فقط لخرائط الفتوحات، بل إلى صراعات الإدارة وتوزيع النفوذ في الداخل. ومع اتساع الفجوة بين السلطة والناس، بدأت همسات الاعتراض تتحول إلى صرخات، والحديث عن تفضيل الأقارب والفساد الإداري يملأ الأمصار. وفي قلب تلك الأجواء المشحونة، اتخذ عثمان قراراً سيبقى جرحاً مفتوحاً في ذاكرة التاريخ: تجميع المصاحف وإحراق ما سواها. أراد عثمان حماية الأمة من شقاق القراءات وتشتت النص، فرأى أنصاره في صنيعه طوق نجاةٍ لوحدة الأمة، بينما رأى خصومه فيه تدخلاً سياسياً في أقدس ما يملكون، واعتراضاً على إرث لم يفعله النبي ولا أبو بكر. تعالت الأصوات، وتمنّع رجال من قامة عبد الله بن مسعود، وتحولت المسألة من خلافٍ على قراءةٍ وآية، إلى صراعٍ مرير على الشرعية والحق في تمثيل الإسلام.
لم تطل المقاومة الصامتة حتى تحولت إلى إعصار؛ زحفت الجموع، وحوصرت دار عثمان في مشهدٍ تراجيدي حبس أنفاس المدينة. انكسر الباب، واقتحم الثوار الدار، وسُفكت الدماء فوق صفحات المصحف الذي خطّه بيده، لتختلط قدسية النص بوحشية السياسة، وتنتهي حياة الخليفة الثالث تاركةً وراءها شرخاً لا يندمل.
وسط هذا الركام وهذه الفوضى التي كادت تبتلع كل شيء، اتجهت الأعين المذعورة نحو علي بن أبي طالب. لم يكن عليٌّ يوماً طالباً لسلطة، ولم تكن الخلافة في عينه سوى حملٍ ثقيل تئنّ منه الجبال، ووسيلةٍ لإقامة العدل لا غاية يُسعى إليها. قبل المسؤولية على مضض، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، متسلحاً بزهد الإمام وعمق الروح. لكن المأساة كانت قد بلغت ذروتها؛ فالانقسامات تجاوزت نقطة العودة، والفتنة كانت أسرع من خطاه. وجد عليٌّ نفسه يخوض حروباً داخلية لم يسترخِ فيها سيفه، معارك مع رفاق الأمس الذين تفرقت بهم السبل في فهم القيادة والأمة، ليتعمق الانقسام وتدخل الدولة في نفقٍ مظلم طبع القرون التالية بطابعه الحزين.
هكذا سارت مأساة السلطة والحقيقة، ثلاثة رجال وقفوا في مهب التحول الكبير؛ عمر الذي شاد بالصّرامة هيكل الدولة، وعثمان الذي أراد بالدمج توحيد النص، وعلي الذي انحنى ظهره تحت عبء الانقسام. تحولت الخلافة، في تجربةٍ بشرية مليئة بالدموع والدم والاجتهاد، من واحةٍ روحية نبتت في ظل النبوة، إلى معتركٍ سياسي تتجاذبه المصالح والقبائل، لتظل الأمة منذ ذلك الحين، وحتّى اليوم، تبحث في تفاصيل هذه التراجيديا عن تلك المعادلة المستحيلة التي توفق بين قوة الدولة، ووحدة النص، وعدالة الروح.