
"استراتيجية حافة الهاوية":
ترمب يعيد رسم الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط بالقوة والصفقات:
تشكل التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي لشبكة "فوكس نيوز" نقطة تحول جذري في العقيدة السياسية والعسكرية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. من خلال مزيج صارم من التهديد الوجودي المباشر والبراغماتية التجارية (العقلية الصفقاتية)، يضع ترمب خطوطاً حمراء جديدة لـ "قواعد اللعبة" الإقليمية، ملوحاً بإعادة صياغة الخريطة الجيوسياسية للمنطقة إذا لم تذعن طهران لشروطه...
الأبعاد العسكرية والاستراتيجية:
من الردع إلى السيطرة المباشرة تحمل تصريحات ترمب بشأن " مضيق هرمز" أبعاداً عسكرية غير مسبوقة في تاريخ العلاقات " الأمريكية-الإيرانية" لم يعد الحديث مقتصراً على "حماية حرية الملاحة الدولية"، بل انتقل إلى تهديد مباشر بالاستيلاء والسيطرة العسكرية الكاملة، وفرض رسوم عبور، واقتطاع نسبة 20% من النفط كـ "ثمن للحماية" (الملاك الحارس)...
*عسكرياً:
يمثل هذا التهديد ذروة "استراتيجية الردع القصوى". فالإشارة إلى "القضاء على إيران" وتدميرها في حال إغلاق المضيق، أو "الاستيلاء على بقية البلاد" رداً على التخصيب، تعني أن واشنطن تجاوزت مرحلة الحروب بالوكالة أو العقوبات الاقتصادية، وأصبحت مستعدة للمواجهة العسكرية الشاملة والمباشرة،
* جيوسياسياً:
نقل ملف حزب الله وجنوب لبنان إلى العهدة السورية، وتحديداً للرئيس السوري أحمد الشرع، يمثل مناورة استراتيجية ذكية لعزل إيران عن أهم أذرعها الإقليمية. ترمب يسعى هنا إلى تفكيك "محور المقاومة" من خلال إغراء أو الضغط على دمشق لاستعادة دورها الإقليمي ككابح لحزب الله، مما يمنح أمريكا وإسرائيل عمقاً استراتيجياً جديداً ويخفف العبء العسكري عن تل أبيب.
البعد السياسي والصفقاتي:
"دبلوماسية التهديد خلف الكواليس"
كشفت التصريحات عن قنوات اتصال مباشرة ونشطة بحديث ترمب عن تواصله مع مسؤولين إيرانيين "البارحة"، هذا يعكس أسلوب ترمب المعتاد:
التصعيد الإعلامي الأقصى المتزامن مع تفاوض صارم خلف الكواليس...
ترمب يرى أن الملفات الإقليمية مترابطة، لكنه يضع "رأس الأفعى" (إيران) كهدف رئيسي:
- تهدئة جبهة غزة: يرى ترمب أن حماس لم تعد تشكل التهديد الأكبر حالياً، مما يسمح بنقل التركيز الاستراتيجي الكامل نحو طهران.
- انتقاد حليف تكتيكي: تعبيره عن "خيبة الأمل" من الأسلوب العسكري الإسرائيلي في لبنان (هدم المباني) ليس تحولاً عاطفياً، بل هو استياء براغماتي من غياب الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية وتفضيل واشنطن للحلول السياسية الكبرى التي تفرضها القوة، بدلاً من حروب الاستنزاف الطويلة...
- اتفاقات مؤقتة:
وصفه لمذكرة التفاهم بأنها مجرد "تمديد لوقف إطلاق النار" يؤكد أن الإدارة الأمريكية لن تقبل بأنصاف الحلول، وأن الهدف النهائي هو اتفاق شامل ينهي الطموح النووي الإيراني ونفوذها الإقليمي نهائياً...
رأي تحليلي:
- هل تنجح هذه الاستراتيجية؟
تعتمد رؤية ترمب على فرضية أن إيران، تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والعسكرية، ستختار البقاء السياسي على حساب التوسع الإقليمي.
مكمن الخطر الاستراتيجي:
- إن سياسة "حافة الهاوية" التي ينتهجها ترمب تترك هامشاً ضيقاً جداً للدبلوماسية التقليدية. فتهديد المفاوضين الإيرانيين بعدم العودة لبلادهم، والتلويح باحتلال ما تبقى من إيران، يضع القيادة الإيرانية في مأزق "كرامة النظام"، مما قد يدفعها - في حال شعورها بالتهديد الوجودي الحتمي - إلى خيارات انتحارية عسكرياً، مثل إغلاق مضيق هرمز بالفعل وتفجير أزمات طاقة عالمية غير مسبوقة...
في الختام:
يعيد ترمب صياغة الدور الأمريكي في المنطقة من "شرطي" يحمي الحلفاء، إلى "مستثمر قوي" يفرض شروطه بالقوة العسكرية المباشرة، ويطالب بثمن مادي و جيوسياسي مقابل الاستقرار. إنها مرحلة "إما الاتفاق الكامل الشامل... أو الصدام الكبير الذي سيعيد تشكيل الشرق الأوسط لعقود قادمة".