
لم يعد المشهد اللبناني منفصلاً عن الصراع الأوسع الدائر بين واشنطن وطهران. فكلما اقترب الحديث من الملف النووي الإيراني، عاد لبنان ليظهر باعتباره إحدى الساحات التي تستخدمها الأطراف المتنافسة لتعزيز مواقعها التفاوضية وتحسين شروطها السياسية.
تدرك القيادة الإيرانية أن نفوذها الإقليمي لا يُقاس فقط بعدد أجهزة الطرد المركزي أو بنسبة تخصيب اليورانيوم، بل أيضاً بقدرتها على الحفاظ على شبكة حلفائها الممتدة في المنطقة. وفي مقدمة هذه الشبكة يأتي حزب الله، الذي يمثل بالنسبة لطهران أكثر من مجرد حليف عسكري أو سياسي؛ إنه أحد أهم ركائز مشروعها الإقليمي وأقوى أوراقها في مواجهة الضغوط الغربية والإسرائيلية.
من هذا المنطلق، يبدو أن ربط التطورات اللبنانية بمسار التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران ليس تفصيلاً عابراً، بل جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى منع فصل الملفات عن بعضها البعض. فكلما أصبحت الساحة اللبنانية بنداً حاضراً على طاولة التفاوض، ازدادت قدرة طهران على حماية مصالحها الإقليمية وتأخير الاستحقاقات المتعلقة ببرنامجها النووي.
وفي الوقت الذي تسعى فيه القوى الغربية إلى التركيز على القضية النووية باعتبارها الملف الأكثر إلحاحاً، تحاول إيران توسيع دائرة النقاش لتشمل الترتيبات الأمنية والسياسية في المنطقة. والهدف واضح: الحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب بأقل قدر من التنازلات. فبدلاً من الدخول في مفاوضات مباشرة حول القيود النووية، يصبح النقاش موزعاً على ملفات متعددة ومعقدة، ما يمنح طهران وقتاً إضافياً للمناورة وإعادة ترتيب أوراقها.
أما إسرائيل، فتتعامل مع هذا الواقع من زاوية مختلفة تماماً. فهي ترى أن أي تهدئة لا تترافق مع معالجة جذرية لمصادر التهديد على حدودها الشمالية لن تكون سوى هدنة مؤقتة قابلة للانفجار في أي لحظة. ولذلك لا تنظر إلى وقف العمليات العسكرية باعتباره نهاية للمشكلة، بل مجرد محطة ضمن صراع طويل لم تُحسم نتائجه بعد.
وفي خضم هذه الحسابات المتشابكة، يبقى لبنان الحلقة الأضعف. فالدولة اللبنانية تجد نفسها مرة أخرى رهينة صراع يتجاوز حدودها وقدراتها، فيما يتحول أمنها واستقرارها إلى مادة تفاوض بين قوى إقليمية ودولية تمتلك أجندات أكبر بكثير من المصلحة اللبنانية نفسها.
هكذا يبدو المشهد اليوم: إيران تحاول حماية نفوذها الإقليمي وتأجيل الاستحقاقات النووية، وإسرائيل تسعى إلى تقليص مصادر التهديد على حدودها، والولايات المتحدة تبحث عن إدارة التوازنات بأقل تكلفة ممكنة. وبين هذه المصالح المتضاربة، يبقى السؤال الأهم: هل سيكون لبنان شريكاً في صناعة مستقبله، أم سيظل مجرد ورقة تُتداول فوق طاولات المفاوضات الكبرى؟