
الإرهاب يطرق أبواب دمشق من جديد...
والدولة أمام اختبار لا يحتمل التردد:
لم يكن الانفجار الذي استهدف مقهى قرب القصر العدلي في دمشق مجرد حادث أمني عابر، بل رسالة خطيرة تقول إن الإرهاب لا يزال قادراً على البحث عن الثغرات، وأن من يراهن على استقرار البلاد لن يتردد في استهداف المدنيين قبل العسكريين، وإثارة الخوف قبل إحداث الخسائر...
صحيح أن التحقيقات لم تكشف بعد هوية المنفذين أو طبيعة العبوة أو الجهة التي تقف وراء العملية، لكن الثابت أن اختيار المكان لم يكن عشوائياً. فالقصر العدلي يمثل رمزاً لسلطة القانون، والمنطقة المحيطة به تعج يومياً بالمراجعين والمحامين والقضاة والمواطنين، ما يجعل أي اعتداء فيها يحقق هدفاً مزدوجاً: إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا، وإرسال رسالة بأن هيبة الدولة يمكن استهدافها حتى في أكثر المواقع حساسية...
- من يقف وراء العملية؟ :
من المبكر توجيه الاتهام إلى جهة بعينها قبل انتهاء التحقيقات، إلا أن المستفيد الأول من مثل هذه العمليات هو كل تنظيم أو جهة تسعى إلى إعادة إنتاج حالة الفوضى، وإثبات أن الاستقرار لا يزال هشاً، أو إلى توجيه ضربة نفسية للرأي العام عبر استهداف أماكن مدنية ورمزية في آن واحد. لذلك ينبغي أن يبقى الحكم قائماً على الأدلة الجنائية والمعلومات الاستخبارية، لا على الانطباعات أو الاتهامات المسبقة...
غير أن السؤال الأهم ليس فقط:
- من نفذ؟..
بل:
- كيف تمكن من التنفيذ؟..
فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تمنع تكرار المأساة، فكل عملية إرهابية تكشف، بالضرورة، عن ثغرة أمنية أو قصور في إجراءات الوقاية، مهما كانت الجهة المنفذة محترفة أو معقدة في أساليبها. ومن هنا فإن نجاح الدولة لا يقاس بسرعة القبض على الفاعلين فحسب، بل بقدرتها على استخلاص الدروس، وسد الثغرات، ومنع وقوع عملية مماثلة مستقبلاً...
وإذا كانت المواجهة الأمنية ضرورة لا غنى عنها، فإنها وحدها لا تكفي. فالإرهاب لا يعيش على السلاح فقط، بل يتغذى أيضاً على البيئات الهشة، والخطابات المتطرفة، وشبكات التمويل، والفراغات الأمنية، وأحياناً على الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تستغلها الجماعات المتشددة لتجنيد الأفراد أو توفير الحاضنة اللوجستية لها. ولذلك فإن المعركة مع الإرهاب هي معركة أمن واستخبارات وقضاء وإعلام وتنمية في الوقت نفسه.
إن المطلوب اليوم هو تحقيق شفاف وسريع يضع الرأي العام أمام الحقائق فور اكتمالها، ومراجعة شاملة للإجراءات الأمنية في محيط المؤسسات الحيوية، وتعزيز العمل الاستخباري الاستباقي، وتكثيف التعاون بين الأجهزة المختصة لكشف أي خلايا نائمة أو شبكات دعم قد تكون مرتبطة بالحادث. فالدولة القوية ليست تلك التي تمنع كل عملية، فهذا أمر قد يكون مستحيلاً في أي دولة في العالم، وإنما الدولة التي تتعلم من كل حادثة، وتطوّر أدواتها، وتحاصر التهديد قبل أن يتحول إلى خطر جديد...
يبقى أن الضحايا هم الخاسر الأكبر في كل عمل إرهابي، وأن استهداف المدنيين لا يمكن أن يحقق أي هدف سياسي أو وطني أو أخلاقي. فالإرهاب، مهما تغيرت شعاراته أو الجهات التي تقف خلفه، لا ينتج إلا مزيداً من الدم والخوف وعدم الاستقرار. ولهذا فإن الرد الحقيقي لا يكون بالانفعال أو إطلاق الاتهامات، بل بالعدالة، وكشف الحقيقة، وتعزيز سيادة القانون، وحماية المواطنين، حتى تبقى دمشق مدينة للحياة لا ساحةً لرسائل الموت.