
طال الغياب حتى حسبتُ الأيام قد نسيت معنى الفرح، وأن الساعات خُلقت لتُثقل القلب لا لتقوده إلى الرجاء. ثم جاء وعدكِ باللقاء، فإذا بالزمن كله يتبدل، وكأن كلمةً منكِ كانت كافية لتعيد إلى الحياة نبضها.
ومنذ تلك الساعة هجرتُ النوم، لا لأن السهر أهون من الراحة، بل لأن الأحلام قد تمنح العاشق صورةً مما يشتهي ثم تفيق به على فراغٍ أشد وجعًا. أردتُ أن أبقى يقظًا، أحرس وعدكِ بعيني، وأؤنس وحدتي بطيفكِ، حتى خُيّل إليّ أن الشوق قد سبق الزمن، وأن قلبي عاش الغد قبل أن يولد.
ولما أقبل الفجر، كان الأمل هو النور الذي يبدد ظلمتي. سمعتُ الطيور تغني، فخال لي أنها تعرف سر موعدنا. وبين أصحابي كادت الفرحة تنطق باسمي، وكدت أقول لهم: "إن حبيبتي وعدتني." لكنني آثرت الصمت، فبعض المسرّات يذبل إذا خرج إلى الناس، وبعض الأحلام لا يحسن بها إلا أن تبقى في حرز القلب حتى تكتمل.
ثم جاءت ساعة اللقاء، فتحركتُ إليها كأنني أمضي إلى عمري كله، لا إلى موعدٍ عابر. ولم أشعر يومًا أن الدنيا تضيق حتى لا يبقى فيها إلا وجهٌ واحد كما شعرت في تلك اللحظة. غير أن خوفًا عجيبًا تسلل إلى قلبي؛ خشيتُ أن تنقضي الحياة من فرط الفرح قبل أن تكتحل عيناي بالنظر إليكِ، وأن يسبق انقضاء اللحظة اكتمال التأمل في جمالكِ.
وهكذا عرفتُ أن أقسى ما في الحب ليس البعد وحده، بل القرب أيضًا؛ فالبعيد يعذبك بالشوق، والقريب يخيفك من سرعة الزمن، حتى تتمنى لو أن الساعة الواحدة من لقائه تمتد عمرًا بأكمله.