الثقافة والفن

أسطورة الوفاء... حين يصبح الحب قدرًا لا اختيارًا

نُشر في ٢١‏/٧‏/٢٠٢٦، ٤:٣٣:١١ م

59427.png

أسطورة الوفاء... حين يصبح الحب قدرًا لا اختيارًا

يخطئ من يظن أن الحب شعلةٌ تشتعل ثم تخبو، أو موجةٌ تعلو ثم تنكسر على شاطئ النسيان. فثمة حبٌ لا يعرف الفصول، ولا يخضع لقوانين الزمن، ولا تهزمه المسافات، لأنه لا يسكن القلب فحسب، بل يعيد خلقه على صورة من يحب.

وأنتِ... لم تعودي امرأةً مرّت في حياتي، ولا ذكرى جميلة أستحضرها كلما ضاق بي المساء. لقد أصبحتِ النبض الذي يمنح قلبي شرعية الاستمرار، والهواء الذي تتنفسه روحي، والقدر الذي لم أختره، لكنه اختارني، فاستسلمت له راضيًا، كمن وجد أخيرًا وطنه بعد عمرٍ من المنافي.

حين تخيلتِ يومًا أن حبي لكِ قد يتراجع، ابتسمتُ بأسى. ليس لأنكِ شككتِ في صدق مشاعري، بل لأنكِ لم تدركي أنني تجاوزت منذ زمن مرحلة الحب التي تعرفها القلوب، ودخلت مرحلة الالتحام التي لا يعود فيها العاشق قادرًا على التمييز بين نبضه ونبض من يحب.

كيف يمكن لقلبٍ تعلّم اسمكِ أن ينطق باسمٍ آخر؟ وكيف لروحٍ وجدت اكتمالها فيكِ أن تقبل بنقصٍ اسمه الفراق؟ إن الابتعاد عنكِ ليس قرارًا أرفضه، بل حقيقة يعجز كياني كله عن تصورها، كما يعجز البحر عن التخلي عن مائه، أو السماء عن نجومها.

لقد ذقتُ مرارة الغياب حتى حفظتُ طعمها، وعشتُ ليالي كان الصمت فيها أعلى صوتًا من الضجيج، وكانت الساعة تمر كأنها عام، وكان الليل يطيل الوقوف على نافذتي كأنه يتلذذ بعذابي. ومع ذلك، لم ألعن يومًا هذا الألم، لأن كل وجعٍ كانت بصمتكِ عليه كان عندي وسام عشق، وكل دمعةٍ سالت شوقًا إليكِ كانت صلاةً صامتةً بأن يعيدكِ الله إلى قلبي.

ما أجمل الألم حين يكون سببه الحب، وما أفقر الراحة حين تأتي خاليةً منكِ.

كل لحظةٍ عشناها معًا أصبحت تاريخًا لا يقاس بالسنوات، بل بفيض الحياة الذي منحته لروحي. ضحكةٌ منكِ كانت تعادل عندي عمرًا من السعادة، ونظرةٌ من عينيكِ كانت تختصر كتبًا كاملةً عن معنى الطمأنينة، وكلمةٌ منكِ كانت تكفي لتعيد ترتيب العالم في داخلي.

وما تبقى من عمري ليس سوى امتدادٍ لذلك الوعد الذي قطعته روحي لروحكِ يوم التقيا لأول مرة؛ أن أبقى وفيًا لكِ، لا لأن الوفاء واجب، بل لأنه أصبح طبيعتي، وأصبحتِ أنتِ اسمي الآخر الذي لا أكتمل إلا به.

وحين يسألني الناس إن كنتُ قادرًا على أن أحب من جديد، أبتسم في هدوء وأقول: لو منحني الله ألف عمر، وألف قلب، وألف بداية، لاخترتكِ في كل مرة، ولأحببتكِ بالدهشة نفسها، واللهفة نفسها، والجنون نفسه، كأنني أقع في حبكِ لأول مرة، وكأن العالم لم يعرف امرأةً سواكِ.

حتى خصامنا لم يكن خصامًا بالمعنى الحقيقي، بل كان استراحةً قصيرةً بين موجتي حب. كانت الكلمات تغضب، لكن الأرواح كانت تتعانق في صمت، وكان الحنين ينتصر دائمًا قبل أن ينتصر الكبرياء.

لا تخافي من الزمن، فالزمن لا يهزم إلا المشاعر الصغيرة. أما الحب الذي صار عقيدةً في القلب، فلا يشيخ، ولا يذبل، ولا يرحل. إنه يكبر كلما ظن الناس أنه انتهى، ويزداد رسوخًا كلما حاولت الحياة أن تمتحنه.

لهذا أقول لكِ، بكل يقينٍ لا يعرف التردد: لستِ فصلًا في كتاب حياتي، ولا قصيدةً جميلةً طواها الديوان، ولا حلمًا زاره الفجر ثم انقضى. أنتِ الكتاب كله، والقصيدة كلها، والحلم الذي أعيش لأجل أن يبقى.

وإذا كان لكل إنسانٍ أسطورةٌ يؤمن بها، فأنتِ أسطورتي الوحيدة... الحقيقة التي هزمت الخيال، والحب الذي أقنعني أن بعض الأرواح لا تلتقي صدفة، بل يكتبها الله لبعضها قبل أن يُخلق الزمن، لتبقى متعانقةً ما بقيت الحياة... وما بعد الحياة.