
عزلة المُرمِّم
لم أعد أملك تلك الخفة التي كانت تحملني إلى أحاديث الناس، ولا تلك الرغبة التي كانت تدفعني إلى مشاركة الآخرين تفاصيل أيامهم العابرة. أقف اليوم على تخوم الصمت، لا لأن الكلام قد خانني، بل لأن روحي أصبحت أثقل من أن تحمل ما لا ضرورة له. أشعر أن كل سؤال عابر يطرق بابي يقتطع من رصيدي القليل من القوة، وأن كل مجاملة اجتماعية تستنزف في داخلي ما أنا أحوج إليه من أي وقت مضى.
ولستُ أتعالى على أحد، ولا أزهد في الناس، ولا أتنكر لمن أحب. إنما أعيش زمنًا آخر، زمنًا لا تُقاس فيه الأيام بالساعات، بل بما تبذله الروح من جهد كي تبقى متماسكة. لقد عبرتُ دروبًا وعرة لم يشهدها أحد، وخضت معارك لم يسمع الناس صليل سيوفها، لكنها تركت في أعماقي من الخراب ما تعجز اللغة عن الإحاطة به، وما لا تستطيع الابتسامات العابرة أن تستره.
أحمل في داخلي مدينةً أنهكتها الحروب، وما أفعله الآن ليس سوى محاولة شاقة لرفع الأنقاض حجرًا بعد حجر، والبحث بين الركام عن الأجزاء التي ما زالت تنبض بالحياة. وليس الترميم عملًا يُنجز على عجل، ولا هو شأنٌ يحتمل الضوضاء أو كثرة العابرين؛ إنه عملٌ يحتاج إلى صمتٍ طويل، ووحدةٍ رحيمة، وصبرٍ لا يعرف اليأس.
لهذا أنسحب قليلًا، لا فرارًا من الحياة، بل حفاظًا على ما تبقى منها في داخلي. أختار العزلة لأنني أدرك أن الأرواح، كما الأجساد، لا تسترد عافيتها وهي واقفة في قلب العاصفة. أحتاج إلى أن أجلس مع نفسي طويلًا، أن أصغي إلى كسورها، وأن أواسيها، وأن أعلّمها من جديد كيف تمشي بعد طول عثار.
وليت الذين يحيطون بي يعلمون أن صمتي ليس جفاءً، وأن غيابي ليس نكرانًا للمودة، وأن فتور حديثي ليس إلا أثرًا لذلك التعب العميق الذي لا تراه العيون. فما أكثر الجراح التي لا تنزف دمًا، لكنها تستنزف العمر قطرةً قطرة، وما أكثر الأرواح التي تبتسم للناس وهي تمضي في داخلها مثقلةً بما لا يستطيع أحد أن يراه.
إنني لا أطلب شفقةً، ولا ألتمس عذرًا، وإنما أرجو شيئًا واحدًا: أن يُترك لي متسعٌ من الوقت كي أرمم نفسي بيدي، وأن يُحترم هذا الصمت الذي اخترته، لأنه ليس علامة انكسار، بل أول الطريق إلى التعافي. وأؤمن أنني، حين أفرغ من إعادة بناء هذا الخراب، سأعود إلى الحياة بقلبٍ أكثر صفاءً، وروحٍ أكثر سكينة، وإنسانٍ عرف أن أقسى المعارك ليست تلك التي نخوضها مع الآخرين، بل تلك التي نخوضها بصمتٍ داخل أنفسنا، ثم نخرج منها، إن كتب الله لنا النجاة، أكثر حكمةً ورحمةً ونضجًا.