--:--
#عاجل | التلفزيون الأيرلندي: الحكومة الأيرلندية تمنع بن غفير وسموتريتش من دخول البلاد وتصدر قرارا بحظر السفر بحقهما بوتين يتبنى مقترحات ترمب للسلام وزيلينسكي يدعو إلى لقاء مباشر.. مؤشرات جديدة على اقتراب تسوية الحرب الأوكرانية تسريبات غير مؤكدة حول تحركات دبلوماسية سورية–أمريكية–أوروبية واسعة تشمل واشنطن ودمشق وتفاهمات إقليمي
الثقافة والفن

في مديح العقل الحر

نُشر في ٥‏/٦‏/٢٠٢٦، ٢:٤٢:١١ م

43350.png


في مديح العقل الحر

ليس أخطر ما يواجه الإنسان أن يجهل الحقيقة، بل أن يظن أنه امتلكها كاملة. فحين يستقر اليقين المطلق في النفس، تتوقف الرحلة، وتجف ينابيع الدهشة، ويصبح العقل سجيناً لأسواره التي بناها بيديه. أما الإنسان الذي يبقي نافذة صغيرة مفتوحة للشك، فإنه يمنح الضوء فرصة للدخول كلما تراكم الغبار على الأشياء.

لقد خُلِق العقل ليكون مسافراً لا مقيماً، وباحثاً لا حارساً لعقائد جامدة. لذلك كانت الأسئلة العظيمة أعظم أثراً في تاريخ البشر من كثير من الأجوبة. سؤال واحد صادق قد يهدم قروناً من الوهم، وقد يفتح أمام الإنسانية أبواباً لم تكن تتخيل وجودها. أما الذين يخشون السؤال، فإنهم غالباً لا يدافعون عن الحقيقة، بل عن الطمأنينة التي اعتادوا عليها.

والقراءة ليست ترفاً يمارسه الفراغ، بل هي شكل من أشكال توسيع الروح. ففي كل كتاب حياة أخرى نعبر إليها، وفي كل فكرة جديدة نافذة تطل على أفق لم نره من قبل. الإنسان الذي يقرأ كثيراً لا يضيف إلى ذاكرته معلومات فحسب، بل يضيف إلى إنسانيته طبقات من الفهم والتعاطف والبصيرة.

ومن الحكمة ألا ننحني للأفكار كما لو كانت أصناماً من المعنى. فالفكرة التي تستحق الاحترام هي تلك القادرة على مواجهة النقد والخروج منه أكثر قوة ونقاء. أما الفكرة التي تطلب الحصانة من المساءلة، فإنها تعلن ضعفها قبل أن يعلن الآخرون ذلك. ولهذا فإن العقل الحر لا يقدس رأياً، ولا يمنح أحداً حق احتكار الحقيقة، لأن الحقيقة أوسع من أن تسكن في رأس واحد أو في كتاب واحد أو في صوت واحد.

ومع ذلك، فإن الانفتاح الفكري لا يعني أن نتخلى عن قناعاتنا عند أول ريح، بل أن نمتلك الشجاعة الكافية للاستماع إلى ما يناقضها. فالأفكار لا تنمو داخل الغرف المغلقة، بل في فضاءات الحوار والاختلاف. وما أكثر ما اكتشف الإنسان خطأه حين أصغى بإنصاف إلى من كان يظنه مخطئاً.

إن أجمل ما في العقل النبيل أنه يشتبك مع الأفكار ولا يشتبك مع أصحابها. فهو يدرك أن الكرامة الإنسانية أسمى من أن تُنتهك بسبب خلاف في الرأي، وأن الاختلاف ليس حرباً ينبغي أن تنتهي بغالب ومغلوب، بل حواراً قد يخرج منه الجميع أكثر فهماً وأقرب إلى الحقيقة.

وهكذا تمضي الحياة الفكرية رحلةً لا تعرف المرافئ النهائية. كلما اقترب الإنسان من الحقيقة اكتشف اتساعها، وكلما ازداد علماً أدرك حجم ما يجهله. وربما كانت الحكمة كلها كامنة في هذه المفارقة الجميلة: أن أعظم العقول ليست تلك التي تملك الأجوبة الأكثر، بل تلك التي لا تفقد أبداً شغفها بالسؤال.