
وصلتني كلماتكِ كما يصل المطر إلى أرضٍ ظمأى؛ لا تُحدِث ضجيجًا، بل توقظ الحياة في أعماقها.
لم أقرأ رسالتكِ بعينيّ، بل قرأتها بذلك الموضع الخفي من القلب، حيث لا تدخل الكلمات إلا إذا كانت تحمل شيئًا من الخلود. شعرتُ أنكِ لم تكوني تخاطبينني، بل كنتِ تخاطبين العمر كله، وتقولين له في هدوء الواثق: لم تستطع أن تهزم الحب.
أيتها البعيدة القريبة...
كم هو عجيبٌ هذا الزمن؛ يظن أنه كلما أثقل أكتافنا بالسنين، استطاع أن يُثقِل أرواحنا بالنسيان. لكنه لا يعلم أن الأرواح التي التقت في الضوء لا تُفرّقها العتمة، وأن القلوب التي عرفت طريقها إلى بعضها لا تضل، وإن طال السفر.
تقولين إنكِ ما زلتِ تحبينني...
وأنا لا أبحث في نفسي عن جواب، لأن الجواب يسكنني منذ عرفتكِ. أنا لا أحبكِ كما يحب الناس، حين يلتقون ثم يفترقون، بل أحبكِ كما تحب الشجرةُ الأرضَ التي منها خرجت؛ فإن ابتعدت عنها ماتت واقفة، وظلت جذورها تناديها في صمت.
لقد مضت أعوامٌ كثيرة، لكنها لم تمرّ على حبنا، بل مرّت حوله. ظلَّ هو ثابتًا، كنجمةٍ تهتدي بها السفن كلما ضاعت في البحر. وكلما ظننتُ أن الأيام ستطفئ شيئًا منكِ في داخلي، وجدتها تُشعل مصباحًا آخر يحمل ملامحكِ، ويملأ وحدتي بحضوركِ.
إنني لا أعدُّ ما مضى من عمري خسارة، لأنه قادني إليكِ، ولا أخشى ما بقي منه، لأنني ما زلتُ أراكِ تسيرين فيه كأنكِ وعدُ الله الجميل للقلوب المتعبة.
فإن كنتِ تقولين إنكِ تحبينني بقدر ما مضى وما سيأتي، فأنا أقول لكِ: لستُ أحبكِ بعدد الأيام، لأن الأيام تنتهي، ولا بعدد النجوم، لأن الفجر يُخفيها؛ بل أحبكِ بالمقدار الذي لا يُقاس، بالمقدار الذي إذا انتهى العمر بقي بعده أثرٌ يُسمّيه الناس ذكرى، وأسمّيه أنا حياةً أخرى.
تعالي... لا لنستعيد ما فات، فالأنهار لا تعود إلى منابعها، ولكن لنكتشف أن الحب الصادق لم يكن يومًا أسير الزمن، بل كان الزمن هو العابر الوحيد في حضرته.
فإذا سألتِني اليوم: ماذا فعلت بنا السنين؟
أجيبكِ وأنا أبتسم: لم تفعل سوى أنها أقنعتني أكثر بأنكِ الحقيقة الوحيدة التي لم يستطع العمر أن يُبدّلها، وأن القلب حين يختار مرةً بصدق، يظل يختار الإنسان ذاته حتى آخر نبضة... وما بعدها.