
حين انتقلت الحرب إلى قلب روسيا... هل بدأت مرحلة كسر الإرادات؟
لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية مجرد معارك على خطوط التماس أو سباقاً للسيطرة على المدن والقرى، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة، عنوانها استنزاف العمق الاستراتيجي. فقد انتقلت أوكرانيا من الدفاع عن أراضيها إلى نقل الحرب داخل روسيا نفسها، في محاولة لإجبار موسكو على دفع ثمن الحرب سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تطوير أوكرانيا لقدراتها المحلية في إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، ما أتاح لها استهداف منشآت عسكرية وصناعية ونفطية على مسافات تصل إلى نحو 1750 كيلومتراً داخل الأراضي الروسية. ولم يعد الهدف تحقيق اختراق عسكري مباشر، وإنما تقويض القدرة الروسية على مواصلة الحرب عبر استهداف مصانع إنتاج الصواريخ، ومستودعات الوقود، ومصافي النفط، وإرهاق منظومة الدفاع الجوي التي باتت مضطرة لحماية العمق الروسي إلى جانب الجبهات.
في المقابل، اختارت موسكو الرد باللغة التي تتقنها؛ تصعيد صاروخي واسع وضربات مكثفة تستهدف العاصمة كييف والبنية التحتية للطاقة، في محاولة لإضعاف صمود المجتمع الأوكراني وإبقاء زمام المبادرة بيدها، مع استمرار تأكيدها أن معظم الهجمات الأوكرانية يتم اعتراضها، وأن ما يجري هو جزء من حرب تقودها الدول الغربية ضد روسيا.
أما أوروبا، فتواصل إدارة توازن بالغ الحساسية. فهي ترى أن من حق أوكرانيا ضرب الأهداف العسكرية التي تُستخدم في الحرب، لكنها في الوقت نفسه تحاول تجنب أي تصعيد قد يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة بين روسيا وحلف الناتو. ولهذا برز توجه أوروبي متزايد لدعم التصنيع العسكري داخل أوكرانيا، بما يمنح كييف قدرة أكبر على مواصلة القتال مع تقليل الحرج السياسي المرتبط باستخدام الأسلحة الغربية.
في تقديري، لم تعد هذه الحرب تُقاس بعدد الكيلومترات التي يسيطر عليها هذا الطرف أو ذاك، بل بقدرة كل منهما على تحمل الاستنزاف. فروسيا تراهن على الوقت، وعلى تفوقها في الموارد البشرية والصناعية، بينما تراهن أوكرانيا على رفع كلفة الحرب إلى مستوى يجعل استمرارها عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الروسي والرأي العام في الداخل.
إنها حرب إرادات بقدر ما هي حرب جيوش، وحرب اقتصاد بقدر ما هي حرب سلاح. وفي مثل هذه الحروب لا يُحسم الصراع بالضربة القاضية، بل بمن يستطيع الصمود أطول، والحفاظ على تماسك جبهته الداخلية، واستمرار دعم حلفائه.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من سيسيطر على الأرض؟ بل أصبح: من سينهك الآخر أولاً، ومن سيملك القدرة على الاستمرار حتى النهاية؟ ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه الأشهر المقبلة، وربما سيحدد شكل النظام الدولي لعقود قادمة.