--:--
وزير الدفاع الإسرائيلي يهدد الضاحية الجنوبية لبيروت: أي استهداف للشمال سيقابله رد على لبنان الجيش الإسرائيلي: نستعد لعدة أيام من القتال مع إيران وسط تصعيد متبادل سقوط أجزاء من بعض الصواريخ الباليستية التي أطلقتها إيران تجاه إسرائيل، في أراض زراعية في ريف محافظة درعا جنوبي سوريا #ألبوم استقبل السيد الرئيس أحمد الشرع اليوم في قصر الشعب بدمشق، رئيس مجلس الوزراء اللبناني الأسبق نجيب ميقاتي. #رئاسة_الجمهورية_العربية_السورية استطلاع جديد: تأييد ترامب يظل قريباً من أدنى مستوياته وسط تصاعد القلق الاقتصادي وفد سوري يزور بيروت لبحث استخدام السوريين لمطار رينيه معوض وتطوير الربط الحدودي

الانقلاب الصامت: تفكك البعث وبداية الدولة الأمنية في سوريا (1970–1971)

Salah Kirata • ٩‏/٦‏/٢٠٢٦

45130.jpg

الانقلاب الصامت: تفكك البعث وبداية الدولة الأمنية في سوريا (1970–1971)

في مطلع السبعينيات كانت سوريا تدخل واحدة من أكثر مراحلها السياسية حساسية واضطراباً، حين تصاعد الصراع داخل حزب البعث بين جناح القيادة السياسية المعروف بـ“القيادة القطرية والقومية” بقيادة صلاح جديد، وبين جناح المؤسسة العسكرية الذي كان يقوده وزير الدفاع آنذاك . هذا التوتر لم يكن وليد لحظة واحدة، بل تراكم منذ هزيمة 1967 وتباين الرؤى حول إدارة الدولة والحرب والتحالفات الخارجية، بما فيها العلاقة مع الاتحاد السوفييتي.

في هذا السياق، جاءت أحداث تشرين الثاني 1970 التي سُمّيت لاحقاً “الحركة التصحيحية” في أدبيات السلطة الجديدة، بينما يراها خصومها انقلاباً أنهى مرحلة كاملة من حكم الجناح اليساري في البعث. ففي 13 تشرين الثاني 1970 بدأت سلسلة من التحركات الأمنية والعسكرية التي انتهت باعتقال عدد من أبرز رموز القيادة، بينهم الأمين العام المساعد صلاح جديد ورئيس الوزراء الأسبق يوسف زعين، إضافة إلى شخصيات قيادية أخرى مثل فوزي رضا وعيد عشاوي. وترافق ذلك مع حالة ارتباك داخل مؤسسات الحزب والدولة، حيث تداخل القرار العسكري مع القرار السياسي في لحظة انتقال قسري للسلطة.

45131.jpg

تُقدَّم بعض الروايات والشهادات اللاحقة، ومنها ما نُقل عن شخصيات عاشت تلك المرحلة، صورة مفادها أن الاتصالات الخارجية لعبت دوراً في محاولة احتواء الأزمة أو التأثير على مسارها، بما في ذلك دور دبلوماسيين من دول حليفة لسوريا آنذاك، مثل . إلا أن هذا الدور يبقى محل جدل تاريخي واسع، إذ لا توجد وثائق حاسمة متفق عليها تؤكد أنه كان عاملاً حاسماً في قرار الصدام الداخلي، بقدر ما تشير غالبية الدراسات إلى أن الانقسام كان في جوهره صراعاً داخلياً على السلطة داخل البعث والمؤسسة العسكرية.

45129.jpg

بعد تثبيت موازين القوى لصالح جناح حافظ الأسد، بدأت مرحلة اعتقالات متتالية لم تنتهِ في أيام قليلة، بل امتدت على دفعات خلال أواخر 1970 وبداية 1971. فقد تم نقل عدد من القيادات إلى مراكز احتجاز مختلفة، وأُبعدوا تدريجياً عن المشهد السياسي بالكامل، في وقت كانت فيه الدولة تعيد تشكيل بنيتها الأمنية والسياسية تحت قيادة جديدة. ومن بين الأسماء التي طالتها الاعتقالات أيضاً الرئيس نور الدين الأتاسي، وعدد من أعضاء القيادة القطرية الذين ارتبطوا بالمرحلة السابقة، في إطار عملية تفكيك تدريجي لشبكة الحكم القديمة.

في يونيو 1971، تعمّق هذا المسار مع اعتقال يوسف زعين مرة أخرى من منزله في دمشق، بعد أن كان قد خضع للاحتجاز في المرحلة الأولى من التحول. وتُظهر روايات لاحقة أن ظروف الاعتقال كانت قاسية من حيث الانقطاع الطويل عن الحياة السياسية والعامة، وأنه بقي قيد الاحتجاز سنوات طويلة قبل أن يُفرج عنه في أوائل الثمانينيات لأسباب صحية، نتيجة إصابته بمرض خطير في الرأس، وذلك بعد وساطات إقليمية ودولية، من بينها وساطات عربية معروفة في تلك الفترة. لاحقاً غادر زعين إلى عدد من الدول الأوروبية لتلقي العلاج قبل أن يستقر به المطاف خارج سوريا حتى وفاته في المنفى عام 2016.

إن قراءة هذه المرحلة لا يمكن فصلها عن طبيعة الدولة السورية في تلك الحقبة، حيث كانت البنية الحزبية والعسكرية والأمنية متداخلة إلى حد كبير، وحيث أصبح الصراع داخل الحزب نفسه جزءاً من إعادة تشكيل السلطة. وبينما يذهب بعض الكُتّاب إلى تفسير ما حدث باعتباره نتيجة لضغوط خارجية أو توازنات إقليمية مرتبطة بالحرب الباردة وتحالفات المنطقة، يرى آخرون أنه كان في جوهره صراعاً داخلياً على تعريف الدولة ودورها وحدود السلطة داخلها.

وهكذا بقيت أحداث 1970–1971 نقطة انعطاف كبرى في التاريخ السوري الحديث، ليس فقط لأنها نقلت السلطة من جناح إلى آخر، بل لأنها أسست لنمط جديد من الحكم امتد تأثيره لعقود لاحقة، وأعاد تشكيل العلاقة بين الحزب والدولة والجيش والأمن في بنية واحدة متماسكة ومغلقة في آن واحد.