حين انتصرت الإنسانية على الطائفة

Salah Kirata • ٢٤‏/٧‏/٢٠٢٦

60606.png

حين انتصرت الإنسانية على الطائفة:

تناهى إلى مسامعي، ولا أجد في مضمونه ما يُستهجن، أن سيدة سورية من الطائفة العلوية دخلت أحد محال بيع الأثاث المستعمل في مدينة حماة، تعرض ما تبقى من أثاث منزلها للبيع: غرفة النوم، والسفرة، وخزانة الأولاد، وبعض المقتنيات التي لا يفرّط بها الإنسان إلا حين تضيق به الدنيا...

رافقها صاحب المحل إلى المنزل لتقدير قيمة الأثاث، لكنه ما إن دخل حتى أدرك أن المعروض للبيع لم يكن أثاثًا فحسب، بل كان حكاية وجع كاملة. عجوز مقعدة على كرسي متحرك، وثلاثة أطفال، وإحداهن طفلة تتنفس عبر جهاز للأكسجين...

ساد الصمت للحظات، ثم سألها برفق:
- ما الذي أوصلك إلى بيع كل شيء يا أختي؟..
أجابت:
 بصوت أثقلته الأشهر منذ ستة أشهر لم أستطع دفع إيجار المنزل، والعقد أوشك على الانتهاء، إن لم أدفع، سأجد نفسي في الشارع مع أمي وأطفالي...
سألها:
- وأين زوجك؟..
قالت وهي تحاول أن تخفي دمعة استعصت عليها:
- كان في الاحتياط، ومنذ يوم التحرير انقطعت أخباره، ولا نعلم عنه شيئًا...

ثم وقع بصره على الطفلة وسأل:
- وما بها؟..
أجابت:
- تعاني من نقص في التروية، وتحتاج إلى رعاية دائمة...

غادر الرجل المنزل، ولم يشترِ شيئًا، ومضى أسبوع كامل، ثم عاد، يحمل في يده ظرفًا، لم يكن ظرف شراء، بل ظرف نجدة وضعه بين يديها وقال:
- هذا فيه عشرة ملايين ليرة؛ إيجار الأشهر الستة الماضية، وإيجار ستة أشهر قادمة...
ثم أردف مبتسمًا:
- ووجدنا لك فرصة عمل في أحد معامل الأجبان براتب كريم...

وقبل أن تغلبها الدموع، قال لها الكلمات التي ربما كانت أثمن من المال نفسه:
- أختي... أنتِ بين أهلك وناسك. كلنا إخوتك، والذي يصيبكِ يصيبنا...

سواء أكانت هذه الرواية قد جرت بكل تفاصيلها أم حملت شيئًا من المبالغة، فإن معناها يستحق أن يُروى، فالأوطان لا تُبنى بالثأر، ولا تحفظها الأحقاد، وإنما ينهض بها أناس يرون في الإنسان إنسانًا قبل أن يسألوا عن طائفته أو انتمائه...

لقد أنهكت السوريين سنوات الحرب بما يكفي، وما يحتاجونه اليوم ليس قصصًا جديدة عن الكراهية، بل نماذج تُعيد إليهم الثقة بأن ما يجمعهم أكبر بكثير مما فرّقهم...

لعل أجمل ما في هذه الحكاية أنها لا تتحدث عن سنيٍّ أو علويٍّ، بل عن إنسان مدَّ يده لإنسان آخر، فانتصرت الأخوة، وسقطت كل التصنيفات أمام قيمة الرحمة.