دمشق عادت إلى لبنان... ولكن هذه المرة بدون اعلان وبعيدا عن الضوضاء

Salah Kirata • ٢٤‏/٧‏/٢٠٢٦

60588.png

دمشق عادت إلى لبنان... 
ولكن هذه المرة بدون اعلان وبعيدا عن الضوضاء.

من يعتقد أن سورية لم تدخل لبنان بعد سقوط النظام السابق، عليه أن يعيد قراءة المشهد من جديد، صحيح أن الجيش العربي السوري لم يعد هناك، وأن زمن الوصاية العسكرية انتهى، لكن النفوذ لا يُقاس دائمًا بعدد الجنود، بل بقدرة الدولة على التأثير في مسار الأحداث وصناعة الوقائع...

سورية اليوم، تدخل لبنان بطريقة مختلفة تمامًا. لا بالدبابات، بل بالحدود، وبالسياسة، وبالتحولات الإقليمية التي فرضتها المرحلة الجديدة...

أليس من المشروع التساؤل: 
- هل كان القضاء اللبناني ليستعيد جزءًا من استقلاله في ملفات شائكة، فيُخلي سبيل عدد من الموقوفين السوريين، أو يعيد النظر في ملفات بقيت سنوات أسيرة المناخ السياسي، لولا انحسار هيمنة حزب الله على جزء من القرار السياسي والقضائي؟..
قد تختلف التفسيرات، لكن المؤكد أن ميزان القوى الذي حكم لبنان لعقود لم يعد كما كان...

أما الحدث الأكثر أهمية، فيكمن في نجاح دمشق إلى حد كبير في تضييق مسارات الإمداد عبر الحدود " السورية – اللبنانية"، وهو ما حدّ من تدفق الأسلحة والمساعدات اللوجستية الإيرانية إلى حزب الله، وربما لن تظهر نتائج ذلك فورًا، لكن الحروب لا تُحسم بيوم واحد، بل بتراكم الوقائع، وما يُقطع اليوم من شرايين الإمداد سيظهر أثره مع مرور الوقت...

وفي الداخل اللبناني، بدأت البيئة السياسية "السنية" تستعيد ثقتها وحضورها بعد سنوات من الانكفاء، ومن المرجح أن يتعزز هذا المسار كلما ترسخت السلطة الجديدة في دمشق، بما تمثله من عمق سياسي وجغرافي لهذا المكون، وعندما تُجرى الانتخابات النيابية المقبلة، ستكون نتائجها، في تقديري، أحد المؤشرات الواضحة على عودة التأثير السوري في الحياة السياسية اللبنانية، ولكن بأدوات مختلفة تمامًا عن الماضي...

وأنا أقولها بوضوح: 
سورية موجودة في لبنان، ولكن ليس بصورتها القديمة، بل بصفتها نظام حكم مرضي عنه اقله أمريكيا ما يمكنه بإعادة تشكيل التوازنات، وأنا على هذا رهان...

وفي المقابل:
 فإن من يعتقد أن إيران خرجت من لبنان يخطئ أيضًا، فحزب الله، سواء احتفظ بسلاحه أو مضى في مسار نزعه ضمن تفاهمات داخلية وإقليمية، سيبقى قوة سياسية وشعبية مؤثرة في البرلمان وفي أي حكومة مقبلة، فالنفوذ الإيراني لن يختفي بين ليلة وضحاها، وإن كان مرشحًا لإعادة التشكل بما يتناسب مع الوقائع الجديدة.

وفي الاتجاه الآخر، تنمو داخل لبنان قوى سياسية لا تخفي تقاطعاتها مع دوائر القرار الإسرائيلي، الأمر الذي يجعل الساحة اللبنانية مفتوحة على تنافس ثلاثة اتجاهات رئيسية:
 تأثير سوري جديد عبر الدولة، ونفوذ إيراني عبر حزب الله، وحضور سياسي متنامٍ لقوى ترتبط بخيارات إقليمية ودولية أخرى...

ختاماً:
لبنان يقف اليوم عند بداية مرحلة جديدة، لا نهاية مرحلة قديمة، فلا سورية في وارد العودة إلى زمن الوصاية اقله لأن هذا سيكون مكلف جدا، ولا إيران قادرة على الاحتفاظ بكل أوراقها، ولا إسرائيل بعيدة عن محاولة التأثير في مستقبل هذا البلد...

وفي تقديري:
فإن استقرار لبنان لن يتحقق بإلغاء أي مكوّن، بل بإعادة بناء الدولة على قاعدة التوازن الوطني وسيادة القانون، أما الصراع على النفوذ فسيستمر، لكن الفارق أن أدواته تغيرت، وأن دمشق عادت هذه المرة من بوابة الدولة، لا من بوابة الوصاية العسكرية.