
رواية متداولة عن مسيرة الجولاني... وأسئلة أكثر من الأجوبة:
تتداول بعض الأوساط رواية تحاول تفسير المسار الذي سلكه أبو محمد الجولاني منذ سنواته الأولى وحتى وصوله إلى السلطة في دمشق، وبغض النظر عن مدى دقة هذه الرواية أو صحة تفاصيلها، فإنها تستحق العرض بوصفها إحدى القراءات المتداولة لمسيرته.
تبدأ الرواية من سجن بوكا، حيث يُقال إنه أمضى فترة من حياته، وإنه خلال وجوده هناك انشغل بالقراءة، وأقام علاقات جيدة مع القائمين على مكتبة السجن، ويذهب بعض من يروون هذه القصة إلى اعتبار تلك المرحلة أكثر من مجرد اهتمام بالكتب، ويرون فيها بداية تشكل شبكة من العلاقات سيكون لها أثر لاحق، دون وجود أدلة معلنة تحسم هذا التفسير...
وبحسب الرواية نفسها، خرج من السجن ليلتحق بتنظيم داعش، ثم انتقل إلى سوريا في إطار هذا التنظيم، مع حديث متكرر بأنه لم يكن مقتنعًا أصلًا بأيديولوجيته، وأنه كان يدرك منذ وقت مبكر أن هذا المسار لن يقود إلى نتيجة...
وتضيف الرواية أنه ما لبث أن انفصل عن داعش، لينتقل إلى القاعدة، مع تكرار الفكرة ذاتها:
أنه لم يكن مؤمنًا بأفكار القاعدة أيضًا، وأن وجوده هناك كان مرحلة عابرة فرضتها الظروف أكثر مما فرضتها القناعة...
ثم تتحدث الرواية عن مرحلة جديدة، يُقال فيها إنه فتح قنوات اتصال مبكرة مع الاستخبارات التركية، ويُذكر في هذا السياق اسم حقان فيدان، مع ادعاء أنه بدأ التعاون أمنيًا، بما في ذلك تقديم معلومات عن شخصيات من داعش والقاعدة. كما تمتد الرواية لتقول إنه، منذ عام 2018، بدأ التواصل مع أجهزة استخبارات غربية، وإن هذا التعاون تطور لاحقًا إلى مستويات أوسع خلال عام 2021...
وتنتهي هذه السردية بوصوله إلى دمشق على رأس فصائل إسلامية، مع الإشارة مرة أخرى إلى أنه، بحسب أصحاب الرواية، لم يكن مؤمنًا بالفكر الذي كانت تتبناه تلك الفصائل أيضًا...
وعند جمع هذه المحطات معًا، يلاحظ أن الرواية تقوم على فكرة واحدة تتكرر في كل مرحلة:
الانتماء إلى جهة دون الإيمان الحقيقي بها، ثم الانتقال إلى جهة أخرى عندما تتغير الظروف، وصولًا إلى بناء علاقات مع أطراف إقليمية ودولية مختلفة، مع إعادة تقديم الذات بما يتناسب مع المرحلة الجديدة...
ويرى أصحاب هذه الرواية أن توصيف هذا المسار بالبراغماتية قد لا يكون كافيًا، لأن البراغماتية، في المفهوم السياسي، تفترض وجود هدف ثابت تتغير الوسائل للوصول إليه، أما هنا، بحسب تصورهم، فإن الثابت الوحيد هو الانتقال المستمر بين الرايات والتحالفات والخطابات...
في المقابل، قد يرى آخرون أن هذه القراءة تتجاهل احتمال حدوث مراجعات فكرية حقيقية، أو أن ظروف الصراع السوري فرضت تحولات معقدة لا يمكن اختزالها في رواية واحدة، وهو ما يجعل كثيرًا من تفاصيل هذه السردية محل نقاش وجدل...
وفي جميع الأحوال، تبقى هذه الرواية بحاجة إلى أدلة موثقة تؤكدها أو تنفيها، لأنها تتضمن ادعاءات كبيرة لا يكفي تداولها لإثباتها...
ويبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه الرواية تعكس الحقيقة:
- فهل نحن أمام شخصية سياسية شديدة البراغماتية أعادت تشكيل نفسها وفق متطلبات كل مرحلة، أم أمام سردية متداولة بالغت في تفسير التحولات وربطها بخيط واحد؟..
- وهل يمكن الحكم على شخصية بهذا التعقيد من خلال رواية واحدة، أم أن الصورة الكاملة لا تزال أبعد من أن تُحسم؟