
الشرق الأوسط بعد العاصفة: من انتصر في الحرب ومن ربح المستقبل؟
في الحروب الكبرى لا تُقاس النتائج بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو المواقع التي دُمّرت، بل بما تتركه المعارك من تحولات في موازين القوى وفي طريقة تفكير الدول بمستقبلها. لهذا تبدو المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقها من أدوار إسرائيلية وإقليمية ودولية، حدثاً يتجاوز حدود نزاع عسكري عابر ليصبح محطة مفصلية في إعادة رسم المشهد الاستراتيجي للشرق الأوسط.
فبعد أسابيع من التصعيد غير المسبوق، تتجه الأطراف نحو طاولة التفاوض. وهذه الحقيقة وحدها تكشف أن أياً من المتصارعين لم يتمكن من فرض إرادته كاملة على الآخر. فلو تحقق الحسم العسكري لما كانت هناك حاجة إلى الوسطاء أو التفاهمات أو المسارات الدبلوماسية المعقدة التي يجري العمل عليها اليوم.
لقد أثبتت الأحداث أن امتلاك القوة العسكرية لا يعني بالضرورة القدرة على تحويلها إلى مكاسب سياسية دائمة. فالعالم المعاصر لم يعد يشبه عالم الحروب التقليدية، حين كانت الجيوش المنتصرة تفرض شروطها النهائية على الخصوم. اليوم أصبحت المعادلة أكثر تعقيداً، إذ تتداخل عناصر الاقتصاد والطاقة والإعلام والتكنولوجيا والتحالفات الدولية مع العامل العسكري، بحيث يتحول النصر إلى مفهوم نسبي يصعب احتكاره.
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى التجربة الإيرانية بوصفها نموذجاً لفاعلية الصمود أكثر من كونها نموذجاً للتفوق العسكري. فالدولة التي تعرضت لضربات موجعة ومركزة استطاعت رغم ذلك الحفاظ على بنيتها السياسية والأمنية ومنعت خصومها من تحقيق أهدافهم القصوى. وهذا لا يعني أن إيران خرجت من المواجهة أقوى مما كانت عليه، لكنها نجحت في تجنب السيناريو الأسوأ الذي كان مطروحاً في بداية الأزمة.
غير أن التحدي الحقيقي بالنسبة لطهران يبدأ الآن، لا أثناء الحرب. فالقدرة على امتصاص الضربات تختلف عن القدرة على تحويل الصمود إلى مكاسب اقتصادية واستراتيجية. وإذا لم تتمكن القيادة الإيرانية من استثمار نتائج المواجهة في تحسين الوضع الداخلي وتخفيف الضغوط الاقتصادية، فإن ما تحقق ميدانياً قد يفقد جزءاً كبيراً من قيمته السياسية.
أما الولايات المتحدة فقد وجدت نفسها أمام واقع مختلف عن ذلك الذي ساد بعد الحرب الباردة. فما زالت القوة العسكرية الأمريكية هي الأكبر عالمياً، لكن استخدام هذه القوة بات محكوماً بقيود سياسية واقتصادية متزايدة. فكل عملية عسكرية طويلة الأمد تفرض أثماناً على الاقتصاد الأمريكي وعلى الاستقرار الدولي وأسواق الطاقة، فضلاً عن انعكاساتها على الرأي العام الداخلي.
لذلك لم يكن مستغرباً أن يتحول الهدف من تحقيق انتصار كامل إلى إدارة الأزمة ومنع توسعها. وهذا التحول يعكس اتجاهاً أعمق في التفكير الاستراتيجي الأمريكي يقوم على تقليص كلفة التدخلات المباشرة والتركيز على حماية المصالح بأدوات أكثر مرونة وأقل استنزافاً.
وفي قلب هذه المعادلة تقف إسرائيل أمام أسئلة صعبة. فالتفوق العسكري والتكنولوجي الذي تمتلكه لم يعد كافياً لضمان تحقيق نتائج سياسية نهائية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. كما أن الحرب الأخيرة أظهرت أن القدرة على توجيه ضربات مؤثرة لا تعني بالضرورة القدرة على صياغة نظام إقليمي جديد وفق الرؤية الإسرائيلية وحدها.
وفي الوقت نفسه، كشفت الأزمة عن حقيقة أخرى تتعلق بالنظام الدولي نفسه. فقد بدت الصين وروسيا أكثر حضوراً وتأثيراً مما كان عليه الوضع قبل سنوات. لم يكن دورهما قائماً على المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، بل على توفير هوامش سياسية واقتصادية تمنع الانفراد الكامل بإدارة الأزمات الدولية. وهنا يبرز أحد أهم ملامح المرحلة المقبلة: الانتقال المتدرج من عالم القطب الواحد إلى عالم تتوزع فيه مراكز النفوذ والقرار.
وبالنسبة للدول العربية، فإن الدرس الأهم ربما يكمن في ضرورة قراءة التحولات الجارية بعيداً عن منطق الاصطفاف التقليدي. فالمعادلات القديمة التي كانت تقوم على الرهان على انتصار طرف وهزيمة آخر تبدو أقل واقعية من أي وقت مضى. المنطقة تحتاج إلى مقاربة أكثر براغماتية تنطلق من المصالح الوطنية والاستقرار والتنمية، لا من رهانات أيديولوجية أو حسابات ظرفية.
ومع ذلك، فإن الحديث عن مرحلة جديدة لا يعني أن أسباب التوتر قد اختفت. فالقضايا التي فجرت الأزمة لا تزال قائمة، وفي مقدمتها الملف النووي الإيراني، وشبكة التحالفات الإقليمية، ومستقبل العلاقة بين طهران وتل أبيب، فضلاً عن الصراع على النفوذ في عدد من الساحات العربية. لذلك قد يكون الأدق وصف المرحلة الحالية بأنها انتقال من المواجهة المباشرة إلى إدارة الخلافات ضمن سقوف أقل خطورة.
إن ما حدث خلال الأشهر الماضية يبعث برسالة واضحة إلى جميع الفاعلين في المنطقة: لم يعد ممكناً لأي طرف أن يفرض رؤيته منفرداً، كما لم يعد ممكناً تجاهل مصالح الآخرين أو تجاوز حقائق الجغرافيا السياسية. فالتوازنات الجديدة تفرض على الجميع البحث عن تسويات واقعية بدلاً من أوهام الانتصارات المطلقة.
في النهاية، لا يبدو أن الشرق الأوسط يقف اليوم على أعتاب سلام شامل، لكنه بالتأكيد لم يعد كما كان قبل اندلاع هذه الحرب. لقد تغيرت الحسابات، وتبدلت الأولويات، وأصبحت كلفة الصدام أكبر من قدرة الجميع على تحملها. وبين منطق القوة ومنطق التسوية، قد تكون المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة دول المنطقة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار.
ويبقى السؤال الأهم: هل تكون التفاهمات الحالية بداية لنظام إقليمي أكثر توازناً، أم مجرد استراحة مؤقتة تسبق صراعاً جديداً بأدوات مختلفة؟ الإجابة لن تحددها التصريحات السياسية، بل الوقائع التي ستفرضها السنوات القليلة المقبلة.