
إسرائيل بين كلفة البقاء وضغوط الانسحاب... معضلة الجنوب اللبناني في مرحلة التحولات:
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
في السياسة كما في الحروب، لا تُقاس النتائج فقط بما يجري على الأرض، بل أيضًا بالقيود الجديدة التي تفرضها الوقائع على الأطراف المتصارعة. ومن هذا المنطلق، يبدو المشهد الحالي في جنوب لبنان أكثر تعقيدًا من مجرد سؤال مباشر حول ما إذا كانت إسرائيل ستنسحب أم ستبقى. فالمعضلة الحقيقية تكمن في كيفية التوفيق بين طموحاتها الأمنية والعسكرية من جهة، وبين التوازنات الإقليمية والدولية المستجدة من جهة أخرى.
القراءة المتأنية للمواقف الإسرائيلية خلال الفترة الأخيرة تكشف عن حالة من التناقض بين الخطاب السياسي والمقتضيات العملية. ففي العلن، يواصل المسؤولون الإسرائيليون التشديد على رفض العودة إلى ما قبل الحرب، ويتحدثون عن ضرورة الاحتفاظ بمواقع يعتبرونها ذات أهمية أمنية، وعن منع أي تهديد مستقبلي للمستوطنات الشمالية. ويبدو هذا الخطاب موجّهًا بالدرجة الأولى إلى الداخل الإسرائيلي الذي يبحث عن صورة انتصار واضحة بعد أشهر طويلة من المواجهة والتوتر.
لكن خلف هذه اللغة الحاسمة، تبرز مؤشرات مختلفة توحي بأن هامش الحركة الإسرائيلي لم يعد مفتوحًا كما كان في السابق. فالتطورات الإقليمية الأخيرة، وما رافقها من تفاهمات دولية وإعادة ترتيب للأولويات الأميركية في المنطقة، أوجدت واقعًا جديدًا يفرض على تل أبيب حسابات أكثر دقة. ولم يعد بإمكانها اتخاذ قرارات التصعيد أو التوسع العسكري بمعزل عن اعتبارات تتجاوز الساحة اللبنانية نفسها.
في هذا السياق، تحاول إسرائيل الإيحاء بأنها غير معنية بأي تفاهمات لم تشارك في صياغتها، وأن أمن حدودها الشمالية يبقى ملفًا مستقلًا عن التفاهمات الإقليمية الأخرى. غير أن الواقع السياسي يبدو أكثر تشابكًا مما ترغب به. فلبنان لم يعد ساحة منفصلة بالكامل عن المعادلات الإقليمية، وأي خطوة عسكرية كبيرة قد تترك انعكاسات مباشرة على ملفات أوسع ترتبط بالمصالح الأميركية وبالتوازنات القائمة في المنطقة.
وهنا تظهر المعضلة الإسرائيلية بوضوح. فالانسحاب الكامل والسريع يحمل مخاطر سياسية داخلية، إذ يمكن أن يُفسَّر باعتباره تراجعًا أمام الضغوط أو فشلًا في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب. وفي المقابل، فإن الإصرار على البقاء المفتوح أو التصعيد المستمر قد يضع إسرائيل في مواجهة مع حلفائها الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، التي تبدو أكثر اهتمامًا بمنع انفجار جبهة جديدة قد تهدد ترتيبات إقليمية أوسع.
لهذا السبب، يبدو أن الخيار الأكثر واقعية أمام صناع القرار في تل أبيب هو البحث عن حلول وسط تتيح لهم المحافظة على جزء من مكاسبهم الميدانية من دون الدخول في مواجهة سياسية مع واشنطن. وقد يتجسد ذلك في الإبقاء على بعض النقاط العسكرية أو المناطق العازلة لفترة معينة، مع تخفيض مستوى العمليات العسكرية والانتقال تدريجيًا إلى إدارة الصراع بدل توسيعه.
هذه المقاربة تعكس في جوهرها محاولة لكسب الوقت أكثر مما تعكس قرارًا نهائيًا بالحسم. فإسرائيل تدرك أن أي انسحاب غير مشروط سيُستثمر سياسيًا ضدها، لكنها تدرك أيضًا أن استمرار الوضع الحالي إلى ما لا نهاية ليس خيارًا سهلًا من الناحية العسكرية أو الدبلوماسية أو الاقتصادية.
أما على المستوى اللبناني، فإن التطور الأبرز لا يتمثل فقط في احتمال الانسحاب أو عدمه، بل في نشوء معادلة جديدة تجعل حرية الحركة الإسرائيلية أكثر ارتباطًا بالاعتبارات الدولية والإقليمية. فالمسألة لم تعد مقتصرة على موازين القوى الميدانية وحدها، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالسقف السياسي الذي ترسمه القوى المؤثرة في المنطقة.
وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة لن تشهد على الأرجح انسحابًا إسرائيليًا شاملًا وفوريًا، كما أنها لن تسمح باستمرار حرية العمل العسكرية التي سادت في مراحل سابقة. الأقرب إلى الواقع هو استمرار حالة المراوحة: وجود عسكري محدود، وضغوط دولية متزايدة، ومفاوضات غير مباشرة حول شروط أي تسوية مستقبلية. وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو متى تنسحب إسرائيل، بل ما إذا كانت قادرة على الاحتفاظ بالمكاسب التي تسعى إليها دون أن تدفع أثمانًا سياسية وأمنية أكبر من الفوائد التي تتوقع تحقيقها. فالتاريخ يُظهر أن الاحتلال يصبح أكثر هشاشة عندما ترتفع كلفة استمراره، وعندما تضيق أمامه مساحة القرار الحر، وهي معادلة يبدو أنها بدأت تتشكل تدريجيًا في الجنوب اللبناني.