
في الصراعات الإقليمية، لا تُقاس النتائج دائماً بحجم الدمار أو عدد الصواريخ التي أُطلقت، بل بمن يملك القدرة على رسم حدود الاشتباك وتحديد لحظة بدايته ونهايته. ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو التطورات الأخيرة أكثر تعقيداً مما تحاول الرواية الإسرائيلية الرسمية إظهاره.
فالضربة التي استهدفت الضاحية الجنوبية لم تكن قراراً عسكرياً منفصلاً عن السياق الإقليمي، بل جاءت في لحظة كانت فيها القيادة الإسرائيلية تدرك أن أي تصعيد واسع على الساحة اللبنانية قد يستدعي تدخلاً إيرانياً مباشراً. ومع ذلك، مضت في خيارها، لتجد نفسها أمام واقع جديد أعاد وصل الجبهات ببعضها بعدما سعت طويلاً إلى التعامل معها كساحات منفصلة يمكن احتواء كل واحدة منها على حدة.
ما حدث بعد ذلك حمل دلالات تتجاوز الجانب العسكري المباشر. فإيران اختارت الرد بطريقة محسوبة، لا تهدف إلى فتح حرب شاملة بقدر ما تسعى إلى تثبيت قاعدة اشتباك جديدة. الرسالة كانت واضحة: استهداف الضاحية لم يعد شأناً لبنانياً صرفاً، بل خطوة تستدعي رداً إيرانياً مباشراً. ولذلك لم يكن معيار النجاح بالنسبة لطهران مرتبطاً بحجم الخسائر التي ألحقتها بأهدافها، وإنما بقدرتها على إثبات حضورها كطرف فاعل يملك قرار الرد وتوقيته ومستواه.
الأكثر أهمية أن طهران نجحت في تحويل الرد العسكري إلى رسالة سياسية واستراتيجية. فقد تصرفت باعتبارها صاحبة القرار في إدارة الجولة، فاختارت الأهداف التي تريدها، وحددت سقف التصعيد الذي يناسبها، ثم قررت متى تضع نقطة النهاية. وبهذا المعنى، لم يكن المشهد مجرد تبادل للضربات، بل اختباراً لإرادة الطرفين وقدرتهما على التحكم بمسار الأحداث.
هنا تكمن المعضلة الحقيقية بالنسبة لإسرائيل. فالصورة التي تشكلت في الوعي السياسي والاستراتيجي الإقليمي هي أن إيران لم تكتفِ بالرد، بل فعلت ذلك من دون أن تُدفع إلى مواجهة مفتوحة، ومن دون أن تبدو في موقع المتراجع. والأهم أنها استطاعت أن تخرج من الجولة وهي تحتفظ بحق ادعاء أنها فرضت معادلتها الخاصة، وأنها هي من قررت متى ينتهي الاشتباك.
في عالم الردع، الكلمة الأخيرة ليست تفصيلاً بروتوكولياً، بل عنصر أساسي في صناعة الصورة الذهنية للقوة. وعندما يترسخ الانطباع بأن طرفاً ما هو الذي يحدد قواعد اللعبة ويختار لحظة إسدال الستار، فإن ذلك يمنحه مكسباً يتجاوز كثيراً النتائج الميدانية المباشرة. ومن هذه الزاوية، تبدو الجولة الأخيرة محطة مهمة في إعادة تشكيل معادلات الصراع، ليس لأن الصواريخ كانت أكثر تدميراً، بل لأن الرسائل السياسية التي حملتها كانت أكثر تأثيراً وأبعد مدى.