
بين السلطة وحاضنتها...
الخطر الذي قد لا تراه الحكومة الانتقالية:
منذ اللحظات الأولى لوصول من وصفتهم سابقاً بـ"الثورة الإسلامية السورية" إلى السلطة متخذا موقفا حذرا، ومؤخرا اتخذت قراراً واعياً بتعليق كثير من الأحكام المسبقة، أسقطت مؤقتاً من حساباتي كما قلت في مقال سابق ظروف النشأة، والخلفيات الفكرية، والبنية التنظيمية، وحتى الملابسات التي أوصلتهم إلى الحكم، ليس لأن هذه العوامل غير مهمة، بل لأن أي قراءة منصفة تقتضي منح التجربة فرصة للاختبار قبل إصدار الأحكام النهائية...
لكن إسقاط الأحكام المسبقة لا يعني إسقاط حق النقد، ولا التخلي عن واجب التحذير والاستشراف، فالسياسة ليست محكمة تصدر أحكاماً بعد وقوع الحدث فقط، بل هي أيضاً قراءة مبكرة للمخاطر قبل أن تتحول إلى وقائع...
ومن هنا أرى أن أخطر ما يمكن أن تتعرض له الحكومة الانتقالية ليس قراراتها المباشرة، بل على العكس، فهي تبدو واقصد السلطة أنها حتى الآن شديدة الحذر في كثير من خطواتها، مدركة لحساسية المرحلة وتعقيداتها، إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في مكان آخر وهو :
في البيئة التي تدّعي الدفاع عنها، وفي الأصوات التي تتحدث باسمها دون تفويض، وفي تلك الحاضنة المتشددة التي تبني حضورها على الإقصاء والكراهية واستعداء الآخرين،
لقد أطلقت على هذه الظاهرة منذ الساعات الأولى اسم "جماعة أحمدنا"، ليس بوصفها تياراً فكرياً أو تنظيماً محدداً، بل باعتبارها حالة اجتماعية وسياسية تقوم على تمجيد السلطة الجديدة بصورة عمياء، وتحويل أي نقد إلى خيانة، وأي اختلاف إلى عداوة، وأي رأي مستقل إلى مؤامرة...
وتبقى:
المفارقة المؤلمة أن هذه الظاهرة تعيد إنتاج كثير من السلوكيات التي عرفها السوريون خلال العقود الماضية، فكما وُجدت سابقاً فئات جعلت من الولاء للنظام السابق وكنت أيضا قد وصفتهم بـ ( طائفة الأسد) وهم ليسوا جماعة دينية بل هم من كل المكونات السورية التي وجد فيها السوقى والرعاع وأرباب السوابق والمهربين و المدمنين و الحشاشين، وتجار الحوري وحيتان المال ممن انضووا تحت لواء وصفي السابق معتبرين اياه وسيلة للنفوذ والثراء والهيمنة، تظهر اليوم فئات أخرى تمارس الدور ذاته ولكن بلغة مختلفة وشعارات مختلفة، وكذا كنت قد وصفتهم منذ الساعات الأولى بجماعة "احمدنا"، ليبدأ السباق بين الطرفين فيمن سيثبت أنه كان أكثر حقارة وأقل وطنية ( طائفة الأسد ) ام جماعة ( احمدنا )...
والمشكلة لا تكمن فقط في التعصب، بل في الشعور بالإحتكار الأخلاقي والسياسي، وفي محاولة تقديم الذات باعتبارها الممثل الوحيد للحقيقة والوطن والثورة والدين، وعندما يصل الخطاب إلى هذه المرحلة، يصبح المجتمع كله مهدداً بالانقسام، لأن أي جماعة تعتقد أنها وحدها تمتلك الشرعية الكاملة ستتعامل مع بقية المواطنين بوصفهم أقل شأناً أو أقل استحقاقاً...
إن السوريين لم يخرجوا من عقود الاستبداد لكي ينتقلوا إلى استبداد من نوع آخر، ولم يدفعوا كل هذه الأثمان كي تستبدل عبادة الأشخاص بعبادة الجماعات، أو احتكار السلطة باحتكار الفضيلة...
لهذا فإن المسؤولية تقع اليوم على عاتق السلطة الانتقالية نفسها، فإذا أرادت الحفاظ على رصيدها الشعبي، فعليها أن تدرك أن أخطر خصومها قد لا يكونون معارضيها، بل بعض أكثر المتحمسين لها، فالتجارب السياسية كثيراً ما سقطت بسبب أنصارها المتطرفين قبل أن تسقط بسبب أعدائها...
لذا:
فإن تجاهل خطاب الإقصاء والكراهية، أو التساهل مع من يمارسون الترهيب المعنوي باسم الدفاع عن السلطة، سيؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، وعندها لن تكون المشكلة في قرار حكومي أو إجراء إداري، بل في شعور قطاعات واسعة من السوريين بأن البلاد تُدار بعقلية الغلبة لا بعقلية الشراكة...
سورية اليوم بحاجة إلى دولة تتسع لجميع أبنائها، لا إلى جمهور يصفق لهذا الفريق أو ذاك، وبحاجة إلى مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، لا إلى جماعات تتنافس على احتكار الوطنية أو الدين أو الثورة...
وإذا لم تُوضع حدود واضحة لهذه الأصوات المتعصبة، وإذا لم يُكبح خطاب الكراهية والاستعلاء مهما كان مصدره، فإن خطر الانفضاض الشعبي سيظل قائماً، فالمجتمعات قد تصبر على الأخطاء السياسية أكثر مما تصبر على الإهانة والإقصاء، وعندما يشعر الناس أن كرامتهم أو مكانتهم مستهدفة، فإن رد فعلهم قد يكون أقوى بكثير من أي خلاف حول السياسات والقرارات...
هذه ليست نبوءة، ولا تمنياً، بل قراءة لتجارب التاريخ القريب، فالدول تُبنى بالاحتواء، وتضعف بالإقصاء، وتستمر بالشراكة، وتسقط عندما تتوهم جماعة ما أنها وحدها الوطن، وأن ما عداها مجرد ضيوف فيه.