
بين حبر بزشكيان ووعود ترامب...
هل تبتلع نيران الشرق الأوسط "تفاهمات الستين يوماً"؟:
يحبس الشرق الأوسط أنفاسه اليوم أمام مشهد دراماتيكي يجسد قمة البراغماتية السياسية وهشاشتها في آن واحد؛ مشهدٌ تلخصه وثيقة إلكترونية جرى توقيعها عن بُعد بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان برعاية قطرية-باكستانية. هذه الهدنة المؤقتة، التي ولدت من رحم الاستنزاف العسكري الأمريكي في مياه هرمز، ومحاولات طهران لكسر الطوق الاقتصادي، تبدو اليوم أقرب إلى الرماد منها إلى السلام المستدام.
المفارقة الكبرى في هذا المسار الدبلوماسي تكمن في حجم التمرد الإسرائيلي على الإرادة الأمريكية؛ فتل أبيب، التي ترى نفسها فوق أي التزام دولي لم تبرمه بيديها، واصلت آلتها العسكرية حصد الأرواح في غزة وجنوب لبنان، ضاربةً بعرض الحائط "مذكرة التفاهم" المشروطة بوقف شامل لإطلاق النار. هذا السلوك الإسرائيلي لم يعكس فقط رغبة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في المضي قُدماً نحو مخططاته التوسعية وفرض واقع عسكري جديد، بل كشف أيضاً عن عمق الأزمة الداخلية في الدولة العبرية، حيث انقلبت الإمبراطوريات الإعلامية التي تقودها قوى الضغط المالي اليمينية—وعلى رأسها نفوذ ميريام أدلسون—على حليفها التاريخي ترامب، ناعتةً إياه بالخذلان، وواصفةً سياسة نتنياهو بالغباء السياسي بعد أن عجز عن كبح جماح البيت الأبيض.
على المقلب الآخر، تثبت التجربة التاريخية مجدداً أن التوقيع مع واشنطن لا يعني بالضرورة حيازة شبكة أمان. فالبنود الخمسة الجوهرية التي رُبط بها نجاح الاتفاق—بدءاً من الرفع الكامل للعقوبات وتدفق الملاحة في مضيق هرمز، وصولاً إلى الانسحاب الأمريكي وضمان التعويضات لطهران—تحولت إلى حقل ألغام لوجستي وسياسي. ومع تواتر التقارير عن تأجيل التوقيع الرسمي لأسباب وصفت بـ"التقنية"، بدا واضحاً أن الإدارة الأمريكية تفتقر إلى الإرادة أو القدرة الفعلية على لجم طموحات حليفتها إسرائيل، التي لا تزال تصر على تجريد الفصائل من سلاحها والتوغل في العمق اللبناني مستغلةً التوازنات السياسية الهشة هناك.
جاءت رصاصة الرحمة على هذه الآمال الدبلوماسية مؤخراً من واشنطن نفسها، حين أعلن الرئيس ترامب بنبرة حاسمة أن طهران لن تنال شيئاً، واصفاً المسار بأنه قد انتهى. هذا التصريح العاصف يضع المنطقة بأسرها أمام استحقاق مصيري داهم: هل نحن بصدد مناورة سياسية لرفع سقف التفاوض قبل انقضاء مهلة الستين يوماً؟ أم أن طبول الحرب التي توقفت مؤقتاً باتت جاهزة للقرع مجدداً، وبزخم أشد تدميراً، بمجرد حدوث أي خطأ حسابي غير محسوب على جبهات القتال المشتعلة؟ الثابت الوحيد الآن هو أن غبار المعارك في غزة ولبنان كفيل بنسف أي حبر جفّ على ورق التفاهمات الدولية.