
مناورات فوق الرماد: شروط دمشق التعجيزية وثمن الاندفاع نحو الفخ اللبناني:
لم تعد الجغرافيا السياسية في منطقة الشرق الأوسط تحتمل المزيد من المغامرات غير محسوبة العواقب، وفي غرف صناعة القرار بدمشق، يبدو أن الواقعية السياسية بدأت تفرض إيقاعها الثقيل بعد سنوات طويلة من الإنهاك. فالفكرة التي روجت لها بعض الأوساط الدولية حول إمكانية استدراج الدولة السورية للعب دور "الآمن" أو "المتدخل" في الساحة اللبنانية المشتعلة، اصطدمت بجدار سميك من الحذر السوري، والوعي العميق بحجم الاستنزاف الذي عانت منه البلاد على مدار ما يزيد عن عقد من الزمن.
في كواليس النقاشات الرسمية، لا تبدو العاصمة السورية بوارد تقديم هدايا مجانية لأطراف دولية، وعلى رأسها واشنطن. فالداخل السوري، المثقل بأعباء إعادة الإعمار والأزمات الاقتصادية المركبة، يمثل الأولوية القصوى التي لا يمكن التضحية بها من أجل معارك بالوكالة خارج الحدود. ومن هنا، جاء الرد السوري على الطروحات الأميركية بمثابة "فيتو" مبطن صيغ في قالب شروط تعجيزية، تعكس رغبة واضحة في النأي بالنفس، وتجنب السقوط في فخ استنزاف ما تبقى من قدرات عسكرية واقتصادية.
> إن قراءة المشهد السوري الحالي تؤكد أن صانع القرار في دمشق بات يزن خطواته بميزان الذهب؛ فالانخراط في تفاصيل المشهد اللبناني المعقد دون ضمانات وجودية هو انتحار سياسي وعسكري.
>
لذلك، لم يكن غريباً أن ترفع دمشق سقف مطالبها إلى حد الإعجاز. فالحديث عن اشتراط انسحاب إسرائيلي كامل من الجبهات الجنوبية، وطلب منظومات دفاع جوي متطورة، وتأمين غطاء جوي وتمويل كامل لأي تحرك، ليس إلا طريقة دبلوماسية ذكية لقول "لا" حاسمة ولكن بلغة الشروط السياسية. إنها محاولة لقلب الطاولة وتحويل الضغط الدولي إلى مكاسب استراتيجية، أو في أسوأ الأحوال، الإبقاء على حالة الانكفاء الحذر التي تحمي الداخل من شظايا الانفجار الإقليمي المحيط.