
مفاوضات "الفرصة الأخيرة" في سويسرا:
جي دي فانس يقود وفداً رفيعاً لبحث بنود "مذكرة إسلام آباد" الشاملة مع إيران :
غادر نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، العاصمة واشنطن متوجهاً إلى مدينة بورغنشتوك السويسرية، لإطلاق جولة حاسمة من المحادثات المباشرة مع المسؤولين الإيرانيين. وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية رفيعة المستوى بهدف احتواء التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، ومناقشة تفاصيل "مذكرة تفاهم إسلام آباد" (الموقعة في حزيران 2026)، والتي حددت إطاراً زمنياً مدته ستون يوماً للتوصل إلى تسوية شاملة للملفات الأمنية والاقتصادية والنووية العالقة...
* وفود رفيعة وتنسيق دولي
وقد وصل وفد تقني أميركي مسبقاً إلى سويسرا، يضم المبعوثين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، لترتيب التفاصيل الفنية قبل انطلاق المحادثات السياسية. في المقابل، تشارك الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوفد رفيع المستوى يترأسه رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، إلى جانب مسؤولين بارزين من البنك المركزي، وزارتي النفط والخارجية، والمجلس الأعلى للأمن القومي. وتحظى هذه المباحثات برعاية وحضور وسطاء دوليين رئيسيين لعبوا دوراً جوهرياً في تقريب وجهات النظر، أبرزهم ممثلون عن دولة قطر وجمهورية باكستان...
ركائز "مذكرة إسلام آباد"، الإطار والالتزامات:
تتألف مذكرة التفاهم التي تشكل أساس مفاوضات سويسرا من أربعة عشر بنداً أساسياً تعتمد آلية "الترتيب المتتالي للخطوات"، حيث اشترطت طهران بدء تنفيذ الشروط الاقتصادية والأمنية من جانب واشنطن قبل الدخول في التفاصيل الفنية المعقدة للملف النووي. وتتوزع أبرز بنود هذه المذكرة على أربعة مسارات رئيسية:
* المسار العسكري واللوجستي:
الإنهاء الفوري والكامل لكافة الأنشطة الهجومية والعمليات العسكرية متبادلة الأطراف، وحظر التهديد باستخدام القوة. كما نصت المذكرة صراحة على سحب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية خلال فترة الستين يوماً واحترام سيادة لبنان، بالتزامن مع التزام الولايات المتحدة ببدء الرفع الفوري للحصار البحري عن الموانئ الإيرانية لتسهيل حركة التجارة.
* الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة: تعهدت إيران بإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية العالمية دون فرض أي رسوم ولمدة ستين يوماً مؤقتة، مع التنسيق مع سلطنة عُمان ودول المنطقة لتحديد الترتيبات الإدارية المستقبلية للمضيق. وفي المقابل، تلتزم وزارة الخزانة الأميركية بإصدار إعفاءات وتنازلات فورية تتيح لإيران تصدير النفط الخام والمشتقات النفطية وتفعيل الخدمات المصرفية والتأمينية المرتبطة بها...
* الشق المالي والاقتصادي:
منح التراخيص والموافقات اللازمة لفك تجميد الأصول والاتحادات المالية الإيرانية المقيدة في الخارج، وتأسيس آلية لإنشاء صندوق خاص بإعادة الإعمار بتدوير مالي لا يقل عن ثلاثمئة مليار دولار كاستثمارات لتعويض أضرار الحرب وإعادة بناء البنية التحتية، مع تعهد واشنطن بتجميد فرض أي عقوبات جديدة طوال فترة المفاوضات...
- الملف النووي والجدول الزمني: التزام إيران بالحفاظ على الوضع الحالي لبرنامجها النووي دون تصعيد، مع إعادة التأكيد الصارم على عدم السعي لامتلاك سلاح نووي. وتتضمن التفاهمات الأولية خفض رصيد طهران من المواد عالية التخصيب عبر تقنية "المزج والتخفيف الموقعي" تحت الإشراف المباشر للوكالة الدولية للطاقة الذرية، على أن تكون مهلة الستين يوماً كافية للوصول إلى اتفاق نهائي وشامل.
* آفاق دبلوماسية وتحديات ميدانية
قبيل مغادرته واشنطن، أعرب نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس عن تفاؤله الحذر بإمكانية تحقيق تقدم، مؤكداً أن الإدارة الأميركية تعتزم إعطاء "المسار الدبلوماسي فرصة كاملة" لإنهاء التوترات ومنع الانزلاق نحو صراع إقليمي أوسع. وشدد فانس على أن من أولويات واشنطن الحفاظ على وقف إطلاق النار الأخير في لبنان ومنع انهيار التفاهمات، معتبراً أن نجاح هذا المسار يتطلب التزاماً كاملاً بوقف الهجمات.
وعلى الرغم من الأجواء الإيجابية المحيطة ببدء المفاوضات السياسية في سويسرا، إلا أن الاتفاق يواجه ضغوطاً ميدانية هائلة على الأرض؛ حيث شهدت الأيام الأولى لتوقيع المذكرة اتهامات متبادلة بخرق وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، مما يضع الجولة الدبلوماسية الحالية أمام اختبار حقيقي لتثبيت هذه البنود وتحويل التهدئة المؤقتة إلى سلام مستدام.