حافة الستين يوماً: هل تملك واشنطن وطهران مفاتيح التهدئة أم تمتلك إسرائيل فيتو التفجير

Salah Kirata • ٢٠‏/٦‏/٢٠٢٦

49549.png

حافة الستين يوماً: 

هل تملك واشنطن وطهران مفاتيح التهدئة أم تمتلك إسرائيل فيتو التفجير؟
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية 

دخلت المنطقة منذ اليوم في مدار مهلة الستين يوماً الحاسمة التي أعقبت التفاهمات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، هذه الأسابيع القليلة المقبلة ليست مجرد فاصل زمني عابر في أجندة الدبلوماسية، بل هي مخاض عسير سيتحدد بناءً عليه المشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط لسنوات طويلة مقبلة، حيث ستنعكس تموجات هذا المسار مباشرة على الجبهات الساخنة الممتدة من غزة وبيروت وصولاً إلى بغداد ودمشق وصنعاء.
يتحرك الطرفان في هذا المضمار مدفوعين ببراغماتية واضحة؛ فالإدارة الأمريكية تسعى جاهدة لتطويق نيران الحرب الإقليمية الشاملة، ووضع كوابح تقنية وجدول زمني للبرنامج النووي الإيراني، مما يتيح لها التفرغ لترتيب أوراقها واستراتيجياتها الدولية الكبرى. في المقابل، تهدف الجمهورية الإسلامية من وراء هذه المرونة إلى كسر طوق العزلة الاقتصادي، وانتزاع اعتراف غربي رسمي بشرعية نفوذها وأوراق قوتها في الإقليم، لتثبيت مكاسبها كلاعب أساسي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة مستقبلية.
لكن الشاطئ الذي ترسو عليه هذه الطموحات الأمريكية والإيرانية يصطدم مباشرة بصخرة الموقف الإسرائيلي، وتاريخ الصراع يثبت أن تل أبيب لم تكن يوماً لتنظر بارتياح لأي قنوات اتصال مفتوحة بين حليفتها الكبرى وخصمها اللدود في طهران، لإدراكها أن أي تقارب بينهما قد يأتي على حساب حريتها المطلقة في الحركة العسكرية، أو يمنح طهران مساحات مناورة أوسع. ومن هنا، فإن الرهان على التزام إسرائيلي كامل يبدو مغامرة غير مضمونة النتائج؛ فالمؤسسة الأمنية والعسكرية هناك لطالما أثبتت أنها تضع حسابات أمنها القومي فوق أي اعتبارات دبلوماسية لحلفائها، مما يعني أن خيارات التصعيد الميداني والاغتيالات الممنهجة تظل حاضرة تحت الطاولة لخلط الأوراق وإفشال التهدئة في أي لحظة.
وفي خضم هذا التجاذب الإقليمي، يقف لبنان كأكثر الساحات هشاشة وتأثراً بارتدادات هذا المخاض؛ إذ يمثل الساحة التي ستترجم عليها نتائج هذه المهلة بشكل فوري. فإما أن تقود هذه التفاهمات إلى تبريد جبهة الجنوب وبدء حراك دولي جاد للبحث في ترتيبات الحدود وسلاح الفصائل وملفات التغيير السياسي المأزوم، وإما أن يتحول البلد إلى ساحة لتصفية الحسابات المتبقية إذا ما واجهت المفاوضات حائطاً مسدوداً...
لذا:
فنحن 
أمام شهرين من اختبار النوايا وقياس موازين القوى، حيث تتأرجح المنطقة بين ولادة عهد جديد من التسويات الإقليمية الكبرى، أو الانزلاق نحو جولة أعنف من الصراع المسلح. وكما علمتنا تجارب الشرق الأوسط، فإن الحبر الذي تُكتب به الاتفاقات خلف الأبواب المغلقة يبقى بلا قيمة ما لم تُعمد التوازنات بوقائع صلبة على الأرض، في منطقة لا تعرف الثبات، وتتغير في كواليسها التحالفات مع كل هبة ريح.