
سورية لا تنهض إلا حين تُفصل السلطة عن قداسة الدين ويُستعاد مفهوم الدولة
لم تكن مأساة سوريا في الفترة الماضية سياسية فقط، بل كانت في جزء كبير منها مأساة في طريقة فهم الدولة نفسها اقصد:
- هل هي إطار قانوني جامع للمواطنين، أم أداة تُستمد شرعيتها من مرجعيات تتجاوز إرادة الناس وتُقصيهم باسم الحقيقة المطلقة؟..
حين تختلط السلطة بالدين داخل أي بنية حكم، تتغير طبيعة الدولة جذريًا. لا يعود القانون هو المرجع الأعلى، بل تتقدم عليه التأويلات، وتتحول السياسة من إدارة شؤون الناس إلى إدارة “المقدس” نيابة عنهم، عندها يصبح الاختلاف خطرًا، ويغدو النقد خروجًا على الجماعة، وتُختزل المواطنة في الانتماء العقائدي أو الرمزي بدل الحقوق المتساوية.
سورية بتنوعها التاريخي والديني والمذهبي والثقافي، كانت دائمًا أكبر من أي تعريف ضيق لها، لكنها في لحظات متعددة من تاريخها الحديث تعرضت لمحاولات صبّ هذا التنوع داخل قوالب مغلقة، سواء باسم الأيديولوجيا السياسية أو باسم الشرعية الدينية أو باسم الضرورة الأمنية، وفي كل مرة، كانت النتيجة واحدة: تآكل الثقة بين المواطن والدولة، وتراجع مفهوم المواطنة لصالح الانتماء الأولي...
الدولة التي تُدار بمنطق الوصاية — أيًّا كان مصدر هذه الوصاية — تفقد تدريجيًا قدرتها على أن تكون دولة للجميع، وحين تصبح المرجعية الدينية جزءًا من أدوات الصراع على السلطة، لا تعود الأديان مساحة روحية وأخلاقية جامعة، بل تتحول إلى حدود فاصلة بين “نحن” و”هم”، بين من يملك الحق في الكلام ومن يُطلب منه الصمت أو الطاعة...
إن أخطر ما تواجهه سورية اليوم ليس فقط الخراب المادي أو السياسي، بل إعادة إنتاج فكرة أن هناك من يملك حق تعريف الحقيقة باسم الله أو باسم التاريخ أو باسم الشعب. هذه الفكرة، حين تستقر في أي نظام سياسي، تؤدي حتمًا إلى إقصاء التنوع وتحويل المجتمع إلى طبقات من الشرعية غير المتساوية...
إن بناء سورية جديدة لا يمكن أن يتم عبر إعادة تدوير أشكال الهيمنة القديمة، مهما اختلفت شعاراتها...
لذا:
فإن المطلوب هو تأسيس الدولة على قاعدة واضحة:
المواطنة المتساوية هي المصدر الوحيد للحقوق، والقانون المدني هو الإطار الذي ينظم العلاقة بين الناس والدولة، دون امتيازات دينية أو طائفية أو أيديولوجية...
ليس المطلوب إقصاء الدين من حياة الناس، فالدين في سوريا جزء عميق من الهوية الفردية والجماعية. لكن المطلوب هو إنهاء توظيف الدين كأداة سلطة، وإخراجه من سوق الصراع السياسي، حتى يبقى كما يجب أن يكون: مساحة إيمان حرة، لا سلطة قهر...
في التجربة السورية تحديدًا، أثبت التاريخ القريب أن أي اقتراب بين السلطة المطلقة واليقين المطلق — سواء كان دينيًا أو أيديولوجيًا — يؤدي إلى نتائج كارثية على المجتمع والدولة معًا. فالدولة لا تُبنى على يقين مغلق، بل على عقد اجتماعي مفتوح، قابل للتطور والتصحيح والمساءلة...
إن مستقبل سورية يتطلب انتقالًا واضحًا من منطق “الوصاية” إلى منطق “المواطنة”، ومن منطق “الحقيقة الواحدة” إلى منطق “التعدد المنظم بالقانون”، فالمجتمع الذي يُدار باعتباره كتلة واحدة لا يختلف أفرادها إلا في درجات الطاعة، هو مجتمع محكوم عليه بالتفكك مهما بدا متماسكًا في الظاهر.
سورية تحتاج إلى دولة لا تسأل المواطن عن عقيدته كي تمنحه حقه، ولا تسمح لأحد أن يتحدث باسم السماء في الشأن العام. دولة تُعيد الاعتبار لفكرة بسيطة لكنها جوهرية: أن الناس متساوون أمام القانون لأنهم مواطنون، لا لأنهم متشابهون...
حين تُفصل السلطة عن القداسة، وتُستعاد الدولة من يد التأويلات المغلقة، فقط عندها يمكن لسوريا أن تبدأ مسارًا حقيقيًا نحو الاستقرار، لا يقوم على الإخضاع، بل على المشاركة؛ ولا على الوصاية، بل على المواطنة.