
في ظلال اليقين:
ليس أثقل على الإنسان من أن يعيش أسير ما لم يقع، فيبدّد يقينه خوفًا من أوهام المستقبل، بينما الحقيقة الوحيدة التي يملكها هي اللحظة التي بين يديه. فالعمر لا يقاس بطوله، بل بما يتركه في النفس من صفاء، لأن الزمن يمضي غير عابئ بأمنياتنا، ويطوي الجميع في النهاية تحت حكمٍ واحد لا يفرّق بين سابق ولا لاحق.
وحين يدرك المرء أن وجوده لم يكن ثمرة اختياره، وأن رحيله كذلك ليس من أمره، تبدأ أسئلته الكبرى في الظهور: ما معنى الطريق إذا كنا لا نملك بدايته ولا نهايته؟ غير أن الحكمة لا تولد من العثور على جميع الأجوبة، بل من التصالح مع حدود المعرفة، ومن تحويل الحيرة إلى تواضع أمام سرّ الوجود.
وإذا أثقلت الروح أخطاؤها، فإن اليأس ليس خاتمتها؛ إذ يبقى الرجاء بابًا لا يُغلق ما دام القلب يعرف طريق العودة. فالعدل يزن الأعمال، أما الرحمة فتتجاوزها إلى ما استقر في الضمير من صدق التوجّه ونقاء الإيمان.
وكلما ازداد الإنسان تأملًا في اتساع الكون، ازداد يقينًا بصغره، لكنه يكتشف في هذا الصغر ذاته قربًا عجيبًا من الحقيقة؛ فالمسافة إلى المطلق لا تُقاس بالخطوات، وإنما بصدق القلب. هناك فقط يفهم أن السلام ليس في امتلاك الدنيا، بل في أن تستقر النفس في ظل المعنى، وأن ترى في كل شيء أثر الحكمة، فتعود مطمئنة إلى من إليه البداية وإليه المنتهى.