
محاكمة وسيم الأسد... اختبار مبكر لقدرة سوريا الجديدة على تحويل العدالة الانتقالية إلى قضاء فعلي
تشكل محاكمة وسيم بديع الأسد محطة مفصلية في المشهد السوري الجديد، ليس فقط لأنها تستهدف أحد أبرز أفراد الدائرة المحيطة بعائلة الأسد، بل لأنها تمثل أول اختبار عملي لمسار العدالة الانتقالية الذي أعلنته السلطات السورية الجديدة عقب سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024.
وفي هذا السياق، انطلقت يوم الأربعاء 24 حزيران/يونيو 2026 أولى الجلسات العلنية لمحاكمة وسيم الأسد، المولود عام 1980 في القرداحة، أمام محكمة الجنايات الرابعة في قصر العدل بدمشق. وظهر المتهم داخل قفص الاتهام حليق الرأس وقد بدا عليه فقدان واضح في الوزن مقارنة بآخر ظهوراته قبل سقوط النظام.
وتولى رئاسة الهيئة القضائية القاضي فخر الدين العريان، بمشاركة المستشارين عبد الحميد الحمود وحسام عبد الرحمن، فيما مثل النيابة العامة القاضي عمر الراضي، تحت إشراف النائب العام للجمهورية المستشار حسان التربة، وبحضور ممثلين عن منظمات حقوقية سورية ودولية لمتابعة مجريات المحاكمة.
وتضمنت لائحة الاتهام مجموعة واسعة من الجرائم التي صنفتها النيابة ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، أبرزها تأسيس وإدارة ميليشيات مسلحة غير نظامية منذ عام 2011، بينها تشكيل عرف باسم "درع الأسد" أو "درع الأمن العسكري"، والمشاركة في تمويلها وتسليحها بالتنسيق مع ضباط سابقين، واستخدامها في عمليات عسكرية، ولا سيما في الغوطة الشرقية والمليحة، بما أدى إلى سقوط أعداد من المدنيين.
كما شملت الاتهامات إدارة شبكات تصنيع وتهريب مخدر الكبتاغون داخل سوريا وخارجها، والارتباط بشبكات تهريب إقليمية، إلى جانب استغلال النفوذ العائلي في فرض الإتاوات وتهريب الوقود وتحصيل الرشاوى والتلاعب بنقل العسكريين بين القطعات مقابل مبالغ مالية، فضلاً عن التحريض العلني على العنف ونشر خطابات تدعو إلى قتل المعارضين.
وخلال الجلسة، أنكر وسيم الأسد جميع التهم المتعلقة بقيادة المجموعات المسلحة، مؤكداً أن دوره اقتصر على التنسيق أو العمل كـ"صلة وصل" بين تلك المجموعات وبعض الأجهزة الأمنية والعسكرية، وهو ما اعتبرته النيابة دفعاً أولياً ستتم مناقشته خلال مراحل المحاكمة اللاحقة.
ورغم أن التلفزيون السوري الرسمي نقل جانباً من الجلسة الأولى، فإن وزارة العدل قررت لاحقاً وقف البث المباشر واستكمال الإجراءات بعيداً عن الإعلام، موضحة أن القرار يأتي في إطار برنامج حماية الشهود وضمان سلامة المشاركين في القضية وسرية بعض الأدلة.
وتأتي هذه المحاكمة بالتزامن مع بدء محاكمة شخصيات بارزة أخرى من رموز المرحلة السابقة، في مؤشر إلى انتقال ملف الانتهاكات من دائرة السجال السياسي إلى إطار المحاسبة القضائية داخل سوريا.
ومن وجهة نظري، فإن القيمة الحقيقية لهذه المحاكمة لن تُقاس بحجم أسماء المتهمين ولا بثقل الاتهامات الموجهة إليهم، وإنما بمدى التزام القضاء الجديد بمعايير المحاكمة العادلة واستقلاليته عن الضغوط السياسية والرغبة في الانتقام. فإذا تمكنت الدولة من الجمع بين حق الضحايا في العدالة وضمان حقوق المتهمين في الدفاع والمحاكمة المنصفة، فإن هذه القضية قد تؤسس لسابقة قانونية تعيد بناء الثقة بمؤسسات العدالة، وتمنح مسار العدالة الانتقالية مضموناً عملياً يتجاوز الشعارات.