
حين يصبح الغياب وطناً داخلياً
أكتب إليكِ اليوم لا لأستعيد شيئًا، ولا لأفتح بابًا أُغلق بيننا، بل لأصف لكِ ما صار إليه داخلي بعد أن ابتعدتِ، وكأن المسافة بيننا لم تكن في المكان وحده، بل امتدت لتسكن في أعماقي أيضاً.
كنتُ أظن أنني أملك قدراً من التوازن، وأن حضورك كان إضافة جميلة إلى حياتي، لا أكثر. لكن حين رحلتِ، اكتشفت أن ما كنتُ أسمّيه استقراراً لم يكن سوى حالة مؤقتة، وأنكِ كنتِ تمثلين جزءاً خفياً من إحساسي بالأمان والاكتمال.
بعدكِ تغيّر كل شيء في نظرتي للأيام. لم تعد تمرّ بشكلها المعتاد، بل أصبحت متقطعة، مثقلة بتعبٍ لا يُقال، وكأن كل يوم يحمل أثر فقدٍ صغير يتكرر دون نهاية. صارت اللحظات تتشابه في ثقلها، بين انتظارٍ بلا معنى، وذكرياتٍ تفرض حضورها دون استئذان.
في الليل تحديداً، يزداد هذا الشعور وضوحاً. كل شيء يهدأ من حولي، إلا داخلي. أجد نفسي في مواجهة طويلة مع أفكار لا تنام، ومع صورٍ قديمة تعود كما لو أنها لم تغب. الأشياء البسيطة من حولي تتحول إلى شواهد صامتة على ما كان بيننا، وكأنها ترفض أن تعترف بانقطاعه.
أما قلبي، فقد أصبح يعيش حالة غريبة من الإقامة في الماضي. لا هو قادر على العودة كما كان، ولا هو مستعد لقبول هذا الفراغ الجديد. كأن الجراح التي تركتها الأيام لم تعد أحداثاً عابرة، بل صارت جزءاً من تكوينه اليومي، تتجدد كلما حاول أن يتجاوزها.
أحياناً أستعيد حديثنا، ليس لأعيدكِ، بل لأفهم كيف انزلق كل شيء من بين أيدينا دون أن ننتبه. وأحياناً أسمح لأحلامي أن تمتد قليلاً نحو الغد، لكنها سرعان ما تتراجع، كأنها تخشى أن تصطدم بحقيقة الغياب.
ومع كل ذلك، لا أحمل في داخلي سوى شعور واحد ثابت: أنكِ كنتِ تجربة عميقة لم تمرّ مرور العابرين، وأن أثرك بقي في داخلي أكثر مما يظهر على السطح، حتى وإن لم يعد هناك طريق يعود بنا إلى ما كان.
أكتب إليكِ الآن وأنا أدرك أن ما بيننا لم يعد يُقاس بالاقتراب أو الابتعاد، بل بما تركه في الداخل من أثر لا يُمحى بسهولة، وبما جعلني أرى نفسي بشكل مختلف بعدكِ، وبكِ.