الثقافة والفن

إلى التي إذا حضرت، هدأت الفوضى في قلبي، وإذا غابت، ضاقت بي الأرض على اتساعها

نُشر في ٤‏/٧‏/٢٠٢٦، ١:١٥:٥٣ م

54063.png

إلى التي إذا حضرت، هدأت الفوضى في قلبي، وإذا غابت، ضاقت بي الأرض على اتساعها...

غاليتي :

لا أدري أأكتب إليكِ لأخفف عن قلبي، أم لأن القلب لا يعرف طريقًا إلى السكينة إلا إذا مرّ باسمكِ...

منذ عرفتكِ، تبدلت الأشياء من حولي. لم تعد الأيام تُقاس بعدد ساعاتها، بل بما تمنحني من قربكِ، ولم يعد للزمان سلطانه عليّ، لأن لحظةً واحدة أشعر فيها أنكِ قريبة، تُغنيني عن أعوامٍ كاملة من الانتظار...

إن الإنسان قد يسافر بين المدن والبلدان، لكنه لا يدرك أن الرحلة الحقيقية هي تلك التي تقوده إلى روحٍ تشبهه. وأنا، بعد طول ترحالٍ في وجوه الناس وأحاديثهم، وجدتُ عندكِ ذلك المرفأ الذي كانت روحي تبحث عنه دون أن تعرف اسمه...

أشتاق إليكِ كما تشتاق الأغصان إلى الربيع، لا لأنه يمنحها أوراقًا جديدة، بل لأنه يعيد إليها معنى الحياة. وأشتاق إليكِ كما يشتاق العائد من الغربة إلى نافذة بيته الأولى، حيث لا يحتاج إلى أن يشرح لأحد سبب دموعه...

كل ما حولي يذكّرني بكِ؛ نسمةٌ عابرة، أغنيةٌ قديمة، كتابٌ مفتوح، رائحةُ قهوةٍ في الصباح، أو غروبٌ يلوّن السماء بألوانٍ تشبه الهدوء الذي يسكن عينيكِ. حتى الصمت، الذي كان يومًا صديقًا لي، أصبح بعدكِ أكثر ضجيجًا، لأنه يردد اسمكِ في داخلي دون انقطاع...

وأحيانًا أسأل نفسي: 

كيف استطاعت امرأةٌ واحدة أن تُعيد ترتيب عالمي كله؟ كيف أصبح حضورها ميزانًا للفرح، وغيابها مقياسًا للوحدة؟ ثم أكفّ عن السؤال، لأن بعض النعم لا تُفسَّر، وإنما تُشكر.

إنني لا أحبكِ لأنكِ أجمل النساء، بل لأنكِ حين دخلتِ حياتي، صار لكل شيءٍ جماله. وكأنكِ لم تكوني ضوءًا أضاء الطريق فحسب، بل عينين جديدتين أرى بهما العالم...

أخاف عليكِ من تعب الأيام، لا لأنكِ ضعيفة، بل لأن الأشياء الجميلة تستحق أن تُصان. وأدعو لكِ في صمتٍ لا يسمعه أحد، لأن الدعاء حين يخرج من قلبٍ محب، يكون أقرب إلى السماء من كل الكلمات.

ولو خيروني بين عمرٍ طويلٍ لا تكونين فيه، وبين أيامٍ قليلةٍ تجمعني بكِ، لاخترتُ الأيام، لأن الحياة لا تُقاس بطولها، وإنما بما يسكنها من حب.

فإذا كتب الله لنا اللقاء، فسأحمده على صبرٍ لم يذهب سدى، وعلى انتظارٍ أثمر عمرًا جديدًا. وإن طال الطريق، فسأظل أمشي نحوه بقلبٍ لا يعرف إلا الوفاء، لأن بعض الوعود لا تُقال باللسان، وإنما تعيش في الروح حتى آخر نبضة.

كوني بخير... لا من أجلي، بل لأن العالم يصبح أكثر رحمةً حين تكونين بخير.

واعلمي أن هناك قلبًا، مهما ابتعدتِ عنه، لا يزال يفتح لكِ أبوابه كل صباح، ويذكركِ في دعائه كل مساء، ويؤمن أن الحب الصادق لا تهزمه المسافات، ولا تُطفئه السنون.

ولعل أجمل ما أرجوه من الحياة، أن يأتي يومٌ أنظر فيه إليكِ، فأدرك أن كل هذا الانتظار لم يكن إلا الطريق الذي قادني إليكِ.

لكِ محبتي التي لا يحدها زمان، ووفائي الذي لا تغيّره الأيام، ودعائي الذي يسبق اسمي كلما ناجيتُ الله.

المخلص لكِ... ما بقي في القلب نبض.