الثقافة والفن

ما إن انساب إلى سمعي صوت أم كلثوم وهي تشدو بـ «لسه فاكر»

نُشر في ٨‏/٧‏/٢٠٢٦، ٩:٥٠:٣٢ م

55397.png
إلى الغالية...

يا غاليتي...

ما إن انساب إلى سمعي صوت أم كلثوم وهي تشدو بـ «لسه فاكر» حتى خُيِّل إليّ أنها لا تغني، بل تترجم ما اختزنه قلبي من حديثٍ طال صمته، وعجز اللسان عن الإفصاح به، فما أقسى أن يُبتلى الإنسان بحبٍّ يزداد رسوخاً كلما أثقلته الأيام بالعتاب، وكلما سقته الليالي من كأس الفراق...

لقد ذرفتُ من الدموع ما لو نطق لقصَّ عليكِ حكاية قلبٍ أحب بإخلاص، فلم يعرف للحب بديلاً، ولا للقسوة جواباً إلا الصبر. وكانت كل دمعةٍ تنحدر من عيني تُطفئ أملاً من آمالي، ولكنها لم تستطع أن تُطفئ ذلك النور الذي أشعلته محبتك في أعماقي، فقد استوطن الروح حتى غدا جزءاً من كيانها...

كم تساقطت الكلمات بيننا، وكم انكسرت الأحلام على صخور الصمت، غير أن شيئاً واحداً ظل شامخاً لا تعبث به الرياح، ولا تنال منه السنون؛ هو حبي لكِ. كان الليل يطول على صدري حتى أكاد أظنه لا ينقضي، فإذا مرَّ طيفك، أو لاحت في خاطري ابتسامتك، تبددت بعض ظلمته، وكأن الصباح لا يولد إلا من نور عينيك...

واليوم، إن سألتِني:
- أما زال ذلك الحب حياً؟..
 قلت:
- إن الحب الصادق لا تقتله الأيام، وإنما تهذبه الآلام، فيغدو أصفى وأعمق وأصدق. وما زلت، رغم كل ما مضى، أراكِ أجمل ما مرَّ في عمري، وأعزَّ ذكرى حفظها القلب، لأن بعض الأحبة لا يرحلون وإن غابوا، ولا يغيبون وإن طال الغياب...

فما الحب، يا غاليتي، إلا نعمةٌ إذا قُدِّر لها الوصال، وابتلاءٌ إذا حكم عليه بالفراق، غير أن أشرف القلوب ليس ذلك الذي لم يذق مرارة الألم، بل ذلك الذي ظل وفياً لما أحب، ولم يسمح للجفاء أن ينتزع من روحه فضيلة الوفاء...

فإن كان للزمان أن يسلبنا كثيراً، فإنه يعجز أن يسلب القلب صدق ما أحب، ويعجز أن يمحو من الروح اسماً كُتب فيها بماء الوفاء لا بحبر الأيام. وإن كان قدري أن أحمل حبك في صمت، فحسبُ هذا القلب أنه أحبك يوماً بصدق، وأنه ما عرف في محراب الحب إلا الإخلاص، وما انحنى إلا لله...

ولعل الأيام، مهما أثقلتها المسافات، تعجز أن تنتصر على قلبٍ عرف معنى الوفاء؛ فالحب الصادق لا يطلب جزاءً، ولا ينتظر مقابلاً، وإنما يكتفي بأنه كان يوماً سبباً في أن يصبح الإنسان أكثر نقاءً، وأرحب قلباً، وأصدق إحساساً. ولذلك سأبقى أحمد الله أنني أحببتك، لأن محبتك لم تُعلِّمني كيف أعشق امرأةً فحسب، بل علَّمتني كيف تسمو الروح بالألم، وكيف يبقى الوفاء أجمل ما يتركه الحب في نفوس العاشقين.