الحيوان البريء والإنسان المثقل بالمعنى

Salah Kirata • ٢١‏/٦‏/٢٠٢٦

50185.png


الحيوان البريء والإنسان المثقل بالمعنى :

ثمة مفارقة تثير التأمل كلما نظرنا إلى الطبيعة بعين مجردة من الأحكام المسبقة:
 الكائنات المفترسة تبدو أكثر انسجاماً مع ذاتها من الإنسان الذي يزعم أنه بلغ ذروة الوعي، فالذئب حين يطارد فريسته لا يحمل مشروعاً أخلاقياً، ولا يكتب بياناً يبرر به فعلته، ولا يصنع سردية تمنحه شعوراً بالتفوق على ضحيته، إنه يؤدي دوره كما صاغته قوانين البقاء، ثم ينصرف وقد انتهت الحكاية كلها عند حدود الحاجة البيولوجية...

في العالم الحيواني لا توجد ضغائن تاريخية، ولا ثارات تورث عبر الأجيال، ولا كراهية تُبنى على الاختلاف في اللون أو اللغة أو العقيدة، هناك صراع، نعم، لكنه صراع مباشر وواضح ومحدود الغاية، وما إن تنتهي أسبابه حتى تعود الحياة إلى إيقاعها الطبيعي، أما الإنسان فقد حوّل الصراع من وسيلة للبقاء إلى منظومة متكاملة لإنتاج المعنى والهيمنة والعداء...

المعضلة لا تكمن في غرائز الإنسان، بل ربما في الطريقة التي تعامل بها مع تلك الغرائز، فمنذ أن بدأ يحيط وجوده بشبكات كثيفة من المحرمات والتصورات الميتافيزيقية والأنظمة العقائدية المغلقة، صار يعيش حالة انقسام داخلي دائم. جزء منه يريد أن يحيا وفق احتياجاته الطبيعية، وجزء آخر يخضع لسلطة رمزية تراقبه وتحاكمه وتعيد تشكيل رغباته باستمرار. ومن هذا التوتر الطويل ولدت أشكال لا حصر لها من القلق والشعور بالذنب والخوف والكبت...

حين يُطلب من الإنسان أن يشك في أبسط دوافعه، وأن ينظر إلى أجزاء واسعة من طبيعته بوصفها خطراً أو إثماً أو نقصاً، يصبح عقله ساحة صراع لا تنتهي، ومع مرور الزمن لا يختفي ما تم قمعه، بل يعود بأقنعة جديدة أكثر تعقيداً. فالرغبة المكبوتة قد تتحول إلى نزعة تسلط، والخوف قد يتحول إلى عدوان، والشعور بالنقص قد يرتدي ثوب التفوق الأخلاقي أو الديني أو الأيديولوجي...

ولهذا يمكن فهم جانب من التاريخ الإنساني بوصفه تاريخاً لصراعات لم تكن دائماً على الخبز أو الماء أو الأرض، بل على الأفكار والهويات والتفسيرات المطلقة للحقيقة. ملايين البشر قُتلوا لأنهم آمنوا بطريقة مختلفة، أو لأنهم قرأوا النص نفسه بعيون أخرى، أو لأنهم وُلدوا داخل جماعة لا تشبه الجماعة الأقوى. هنا يغدو العنف أكثر تعقيداً من مجرد غريزة؛ إنه يتحول إلى عقيدة وإلى واجب وإلى فضيلة في نظر ممارسيه...

ومن أكثر المفارقات إيلاماً أن الإنسان استطاع أن يضفي قداسة على أفعاله الأكثر قسوة، فالقتل يمكن أن يصبح بطولة، والنهب قد يتحول إلى حق مشروع، والإقصاء يمكن أن يُقدَّم باعتباره حماية للحقيقة أو دفاعاً عن المقدس، وهكذا لا يعود الخصم إنساناً كاملاً، بل يتحول إلى رمز أو فئة أو عنوان مجرد، وعندها يصبح إيذاؤه أسهل بكثير...

لكن الصورة ليست بهذه البساطة أيضاً، فالتاريخ نفسه يخبرنا أن الأديان لم تكن دائماً مصدراً للقمع والعنف فقط، كما لم تكن دائماً مصدراً للرحمة والتسامح فقط، فقد استُخدمت لتبرير الحروب، واستُخدمت كذلك لإيقافها. وأنتجت التعصب في بعض الأزمنة، كما ألهمت حركات أخلاقية وإنسانية عميقة في أزمنة أخرى...
لذا:
فإن المشكلة الكبرى ربما لا تكمن في الفكرة المجردة بقدر ما تكمن في قابلية الإنسان لتحويل أي فكرة، دينية كانت أم سياسية أم قومية، إلى أداة للهيمنة عندما يضعها فوق الإنسان نفسه...

لعل المأساة الحقيقية ليست وجود الغريزة ولا وجود العقيدة، بل انهيار التوازن بينهما، فعندما تتحول الغريزة إلى سيد مطلق يولد التوحش، وعندما تتحول العقيدة إلى سلطة مطلقة يولد الاستبداد، وبين هذين الحدين يقف الإنسان باحثاً عن صيغة تسمح له بأن يكون حراً دون أن يصبح مفترساً، وأن يكون مؤمناً بفكرة دون أن يجعلها سجناً للآخرين...

إن التحدي الأكبر الذي واجه البشرية وما يزال يواجهها ليس كيف تنتصر طبيعتها على أفكارها، ولا كيف تنتصر أفكارها على طبيعتها، بل كيف تتصالح الاثنتان داخل كائن واحد، فالحضارة لا تبدأ عندما يُقتل الحيوان في داخل الإنسان، ولا عندما يُطلق سراحه بالكامل، وإنما عندما يتعلم الإنسان أن يفهم نفسه دون خوف، وأن يحترم غيره دون وصاية، وأن يدرك أن الكرامة الإنسانية أسمى من أي هوية أو عقيدة أو يقين مطلق...

باختصار:
إنما أردت من خلال التصور اعلاه أن أبدي أو اقدم  نقداً قوياً للدور الذي يمكن أن تلعبه العقائد المغلقة في إنتاج التعصب والكراهية، وهو نقد يجد شواهد كثيرة في التاريخ...
 لكن:
في ذات الوقت فإن  إرجاع الشرور الإنسانية كلها إلى الأديان وحدها يظل تبسيطاً لمشكلة أكثر تعقيداً، فالإنسان مارس القمع والحروب والتمييز أيضاً تحت رايات قومية وعرقية وسياسية وعلمانية. لذلك يبدو أن جذور المشكلة الأعمق تكمن في نزعة الإنسان إلى التعصب واحتكار الحقيقة، أكثر مما تكمن في شكل الفكرة التي يتعصب لها، والأرجح أن مستقبل البشرية يعتمد على بناء ثقافة تحترم الحرية والعقل والكرامة الإنسانية، سواء جاءت هذه القيم من منبع ديني أو فلسفي أو إنساني خالص، لكن قناعاتي أن العقائد و الغيبات إذا أسيء فهما أو طريقة التعاطي معها، قد تكون من أخطر ما مر على حياة البشرية لجهة خلفية الصراعات .