سورية والملف اللبناني: من تفويض الوصاية القديم إلى شراكة "الحلول الإبداعية"

Salah Kirata • ٢١‏/٦‏/٢٠٢٦

50192.png


سورية والملف اللبناني:
 من تفويض الوصاية القديم إلى شراكة "الحلول الإبداعية"...

بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

في المشهد السياسي والجيوسياسي المتسارع بالشرق الأوسط، تعيد دمشق صياغة تموضعها الإقليمي بعيداً عن إرث الماضي وثقله، وهو ما تجلى بوضوح في الرؤية السياسية والعسكرية الاستراتيجية التي طرحها الرئيس أحمد الشرع في حديثه للإعلامي طوني خليفة...
لذا:
 إن نفي الرئيس القاطع للاحتمالات الشائعة حول "دخول عسكري سوري وشيك إلى لبنان" لا يمثل مجرد طمأنة دبلوماسية عابرة، بل يؤسس لمرحلة جديدة من العقلانية السياسية القائمة على قراءة موضوعية دقيقة لتوازنات القوى الإقليمية والدولية...

لأن المنطق الذي يحكم التطورات والاحداث عسكرياً واستراتيجياً، يطالب  الحكومة الانتقالية السورية الجديدة لأن تدرك  أن زمن "الدخول والوسائل التقليدية" عبر الدبابات والقصف والتدخل المباشر قد ولى، وأن أي مغامرة عسكرية من هذا القبيل لن تكون إلا استدراجاً لإنهاك الدولة السورية في مستنقع توازنات لبنانية داخلية معقدة، ومواجهات إقليمية بغنى عنها ..
انطلاقاً من هذه الواقعية، لابأس أن  يتشدد الشرع على أن "الحل في لبنان لا يكون عبر الحروب"، ليس هذا فقط بل عليه أن يبقى متشددا واضعا في حساباته على ميزان الربح والخسارة الأمريكيان،  ليعكس وعياً عسكرياً يرفض استنساخ أدوات القرن الماضي، ويؤكد أن سياسة سورية منذ تولى العهد الجديد إدارة البلاد إنما ارتكزت على "عدم التدخل في شؤون الآخرين" كخيار استراتيجي يحمي الجبهة الداخلية أولاً، ويحترم سيادة الجوار ثانياً...
لكن هذا لا يعني أن ينكفيء الموقف السوري فهذا بعض من قدرها لجهة علتي الجغرافيا والتاريخ اللذان اعطيها ثقلا استراتيجيا سواء أن أرادت الحكومات هذا أو رفضته فسورية، بحكم الجغرافيا والتاريخ، تدرك أن أمنها القومي مرتبط عضويًا باستقرار لبنان، من هنا، يكتسب طرح الرئيس الشرع وتركيزه على كون سوريا "جزءاً من الحل لا المشكلة" بعداً استراتيجياً غاية في الأهمية، لذا هذه الرؤى يفترض ان تترجم  من خلال آلية أو حركية دبلوماسية لافتة، تظهر بوضوح في التواصل المباشر مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، حيث تم طرح مقاربات أمنية واقتصادية مشتركة. هذا التواصل يكشف عن براغماتية سورية ذكية تسعى للاستثمار في النفوذ الدبلوماسي والوساطة السياسية، بدلاً من التورط العسكري المباشر، مستفيدة من رغبة واشنطن في صياغة ترتيبات إقليمية جديدة...
لذا :
فإن الموضوعية والشفافية تقتضيان القول إن تصريحات الرئيس ترمب بشأن دور سوري محتمل في لبنان قد أسيء فهمها وفسرت بنوع من السطحية وكأن الفيلق السوري سيتحرك صباحاً؛ فالواقع يرجح أن الحديث ( الأمريكي - السوري )، يفرض على الحكومة السورية العمل على صياغة "شبكة أمان" اقتصادية وأمنية، وضبط الحدود، ومنع تحول لبنان إلى منصة لتهديد الاستقرار الإقليمي، وهو ما يحقق مصلحة مشتركة لدمشق وواشنطن وبيروت على حد سواء...
في المحصلة:
 على دمشق أن تتمترس خلف فكرة " أن الوصاية العسكرية المباشرة" التي طبقت في العقود الماضية من التواجد السوري في لبنان الذي جاء بغطاء الجامعة العربية كقوات ردع في البداية إضافة لمباركة "أمريكية - اسرائيلية" غير معلنة، لم تعد تناسب الآن تبعا لمقولة ( أن لكل زمان دولة ورجال )، فالمرحلة التي سمحت بدور أو طالبت بدور سوري في لبنان انقضت مع رجالاتها فالزمان غير الزمان...
هذا يعني أنه على حكومة الشرع أن تنتقل إلى مفهوم "الشراكة الاستراتيجية الذكية"، التي يكون من شأنها أن تعفي سورية من كلفة الحروب التقليدية التي لن تستطيع سورية أن تتحمل تبعاتها المستقبلية ولا تكاليفها الآنية، وتضعها في موقع الشريك الأساسي في صياغة الحلول، معيدة تعريف دورها الإقليمي كعامل استقرار ووسيط أمني واقتصادي لا غنى عنه في معادلة الشرق الأوسط الجديد.