
سورية ومحنة الإنسان:
حين تتحول المواطنة إلى اختبار هوية دائم
في سوريا، لم تعد المواطنة في كثير من اللحظات تعني الانتماء إلى وطن بقدر ما أصبحت تعني اجتياز امتحان مفتوح لا ينتهي، تُعاد صياغة أسئلته كل يوم وفق ميزان القوى والسرديات المتصارعة. الإنسان لا يُستقبل بوصفه فرداً كاملاً، بل بوصفه احتمالاً لهوية أكبر منه: طائفة، منطقة، موقف سياسي، أو حتى صمتٌ يُفسَّر على أنه تصريح غير مكتوب.
هكذا تآكلت فكرة “الفرد” تحت ثقل “الجماعة”، ليس فقط في خطاب السلطة، بل أيضاً في خطاب المجتمع الذي تشظّى تحت ضغط الحرب. صار السؤال الأول الذي يسبق أي تعريف آخر: من أين أنت؟ ومع من أنت؟ وكأن الإجابة وحدها تكفي لتحديد القيمة الأخلاقية والسياسية لصاحبها، قبل أن ينطق بكلمة واحدة أو يقوم بفعل واحد.
في ظل هذا التحول، لم تعد السياسة مجالاً لتداول الأفكار أو إدارة الاختلاف، بل تحولت إلى جهاز تصنيف قاسٍ يعيد توزيع البشر على خانات مغلقة. كل موقف قابل للتأويل الأمني أو الهوياتي: الصمت يُتهم، والمشاركة تُتهم، والحياد يُتهم أيضاً. لا مساحة آمنة خارج هذا المنطق، لأن المنظومة لا تبحث عن الفعل بقدر ما تبحث عن الانتماء الذي يسبق الفعل.
ومع تراكم سنوات الصراع، لم تعد الدولة وحدها تمارس هذا النوع من الإقصاء، بل تسرب إلى المجتمع نفسه. صار كل طرف يملك “محكمة تفتيش” خاصة به، تُعيد تعريف الناس وفق معيار الولاء، وتمنح البراءة أو الاتهام بناء على موقعهم من السردية لا على أساس سلوكهم الفردي. وهكذا تحولت البلاد إلى شبكة من المرايا المتقابلة، كل مرآة ترى في الأخرى تهديداً أو خيانة أو عطباً أخلاقياً كاملاً.
الأخطر في هذا التحول أنه ضرب جوهر الفكرة الحديثة للدولة: المواطنة القانونية المتساوية. فبدلاً من أن يكون الفرد محمياً بصفته مواطناً، أصبح محكوماً بمدى توافقه مع المزاج السياسي السائد في لحظة معينة. الحقوق لم تعد ثابتة، بل مشروطة، قابلة للاتساع والانكماش بحسب الانتماء المفترض، لا بحسب القانون.
في هذا السياق، يتآكل معنى العدالة نفسه. فالقضاء الاجتماعي والسياسي والأخلاقي لم يعد ينظر إلى الفعل بمعزل عن صاحبه، بل يقرأ الفعل عبر هوية صاحبه أولاً. الخطأ نفسه يمكن أن يكون جريمة مطلقة عند طرف، أو تفصيلاً هامشياً عند طرف آخر، فقط لأن الفاعل تغيّر موقعه في الخريطة الرمزية للصراع.
وهكذا يجد الفرد السوري نفسه محاصراً من جهتين: سلطة ترى فيه ملفاً أمنياً، ومجتمع ممزق يرى فيه دليلاً على سردية جاهزة. بين هذين القطبين تتقلص مساحة الإنسان بوصفه إنساناً، أي بوصفه كائناً معقداً، متناقضاً، قادراً على الخطأ والصواب خارج تصنيفات الهوية الصلبة.
إن أخطر ما أنتجته هذه المرحلة ليس فقط الدمار المادي أو الانقسام السياسي، بل إعادة تشكيل الوعي على قاعدة الاشتباه الدائم. لم يعد السؤال: ماذا تفعل؟ بل: ماذا تمثل؟ ولم يعد الحكم على الأفعال، بل على الانتماءات التي تُفترض خلفها.
في مثل هذا المناخ، تصبح أي محاولة لبناء دولة حديثة مجرد إعادة إنتاج شكلية إذا لم تمسّ الجذر العميق للمشكلة: تحرير الإنسان من الاختزال الهوياتي. فالدولة التي تُبنى على أساس تصنيف الناس لا يمكن أن تنتج مواطنة، بل تنتج طبقات متنازعة من “الشرعيات” المتقابلة، كل منها تشكك في الأخرى وتبني عدالتها الخاصة.
الخروج من هذه الدائرة لا يكون بتغيير السلطة فقط، بل بتغيير فكرة الإنسان نفسه داخل المجال العام: من كائن يُعرّف بما يُنسب إليه، إلى كائن يُعرّف بما يفعل وما يختار. فبدون هذا التحول، ستبقى سوريا تدور في حلقة مغلقة، تُسقط أشكال الاستبداد ولا تمسّ بنيته الأعمق، حيث يظل الإنسان مهدداً لا بما يفعل، بل بما يُظن أنه يمثله.