
الرئيس أحمد الشرع يرسم ملامح سورية الجديدة...
رسائل إلى الداخل ورسائل إلى العالم.
لم تكن العناوين الأولى التي خرجت من مقابلة الرئيس أحمد الشرع مع قناة الجزيرة مجرد تصريحات متفرقة، بل بدت، حتى قبل الاطلاع على المقابلة كاملة، وكأنها أجزاء من رؤية سياسية متكاملة تسعى دمشق إلى تثبيتها في هذه المرحلة الحساسة...
فالحديث عن العمل للوصول إلى اتفاق أمني مع إسرائيل يمهد لسلام شامل، مع التشديد في الوقت نفسه على عدم التفريط بالجولان، يمثل في ظاهره محاولة للجمع بين الواقعية السياسية والثوابت الوطنية، فالدولة التي خرجت من سنوات طويلة من الحرب تبدو مدركة أن إعادة الإعمار واستعادة الاقتصاد تتطلبان بيئة إقليمية أقل توترًا، لكنها تدرك أيضًا أن أي سلام لا يحترم الحقوق الوطنية لن يحظى بشرعية داخلية...
وفي الوقت ذاته، فإن تأكيد الرئيس الشرع أن سورية تتجنب أي صدام عسكري مع إسرائيل لا ينبغي تفسيره على أنه تراجع عن الحقوق، بقدر ما يمكن قراءته باعتباره تعبيرًا عن ترتيب جديد للأولويات. فالدول الخارجة من النزاعات تميل عادة إلى تقديم الاستقرار الداخلي على الانخراط في مواجهات خارجية، وهو منطق سياسي أكثر منه تحولًا في المبادئ...
أما الإشارة إلى أن دمشق لا تنوي التدخل عسكريًا في لبنان، فهي تحمل دلالة لا تقل أهمية، فإذا كانت هذه السياسة ستترجم عمليًا، فإنها تعكس رغبة في بناء علاقة مختلفة مع بيروت، تقوم على احترام سيادة الدولتين والتعاون المتبادل، بعيدًا عن أنماط العلاقة التي طبعت عقودًا سابقة...
ومن خلال هذه العناوين الأولية، يبدو أن القيادة السورية تحاول توجيه أربع رسائل متزامنة...
الرسالة الأولى:
إلى الداخل السوري، ومضمونها أن مرحلة بناء الدولة تتقدم على مرحلة إدارة الصراعات.
والرسالة الثانية:
إلى المجتمع الدولي، ومفادها أن سوريا الجديدة تريد أن تُعامل بوصفها دولة مسؤولة تسعى إلى الاستقرار، لا طرفًا يصدر الأزمات.
والرسالة الثالثة:
إلى دول الجوار، ومضمونها أن دمشق تفضل الحوار والتفاهمات الأمنية على المواجهات العسكرية.
أما الرسالة الرابعة:
فهي إلى المستثمرين والشركاء الاقتصاديين، ومفادها أن الاستقرار السياسي والأمني أصبح هدفًا استراتيجيًا لأنه المدخل الطبيعي إلى إعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد.
ومع ذلك، فإن هذه العناوين، على أهميتها، لا تكفي وحدها للحكم على طبيعة التحول الجاري، فالفارق كبير بين إعلان النوايا وبين تحويلها إلى سياسات عملية. كما أن كثيرًا من التفاصيل المتعلقة بآليات الاتفاقات المحتملة، وضماناتها، وحدودها، لم تتضح بعد، الأمر الذي يجعل من الحكمة التريث في إصدار الأحكام النهائية إلى حين الاطلاع على المقابلة كاملة وما قد يتبعها من مواقف رسمية.
في تقديري، فإن أهمية مقابلة الرئيس أحمد الشرع لا تكمن فقط فيما أعلن فيها، بل فيما تعكسه من محاولة لإعادة تعريف موقع سورية في الإقليم بعد سنوات طويلة من الحرب والعزلة. وإذا كانت هذه العناوين تمثل بالفعل الخطوط العامة للسياسة السورية المقبلة، فإننا قد نكون أمام بداية مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق إدارة الدولة...
ويبقى المعيار الحقيقي، كما هو الحال في كل التجارب السياسية، ليس قوة التصريحات، بل قدرة الدولة على تحويلها إلى واقع يلمسه المواطن السوري، وتحترمه المنطقة، ويأخذه المجتمع الدولي على محمل الجد.