
بين الواقعية السياسية وثوابت السيادة...
هل تدشن دمشق عهدًا جديدًا مع إسرائيل؟.
ليست التصريحات التي أدلى بها الرئيس أحمد الشرع مجرد موقف سياسي عابر، بل تبدو إعلانًا عن تحول استراتيجي في طريقة مقاربة دمشق لواحد من أكثر ملفات الشرق الأوسط تعقيدًا وحساسية...
فعندما يقول الرئيس السوري إن بلاده تتجنب الصدام مع إسرائيل ولا مصلحة لها في ذلك، فهو يبعث برسالة واضحة مفادها أن الأولوية اليوم ليست لفتح جبهة عسكرية جديدة، بل لترميم الدولة السورية واستعادة عافيتها بعد سنوات طويلة من الحرب والاستنزاف...
غير أن التصريح الأكثر أهمية يتمثل في الكشف عن العمل على اتفاق أمني برعاية ومشاركة مجموعة من الدول، فهذه الصيغة توحي بأن دمشق لا تبحث عن تفاهمات ثنائية معزولة، بل عن إطار دولي يضمن الاستقرار ويحول دون عودة التصعيد، في ظل إدراك متبادل بأن المنطقة لم تعد تحتمل حربًا جديدة...
لكن الشرع حرص، في الوقت ذاته، على وضع خط أحمر واضح عندما أكد أن أي اتفاق يمكن أن يمهد لسلام شامل لن يكون على حساب حق سورية في الجولان المحتل. وهنا تكمن الرسالة السياسية الأهم؛ فدمشق تريد أن تقدم نفسها بوصفها دولة منفتحة على التسويات، لكنها غير مستعدة للتفريط بحقوقها السيادية أو منح سلام مجاني لا يقابله إنهاء الاحتلال...
إن ما نشهده اليوم قد يكون بداية انتقال سورية من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة إدارة التسويات، وهي مقاربة تختلف جذريًا عن العقود الماضية، غير أن نجاح هذا المسار سيبقى مرهونًا بمدى استعداد إسرائيل لتقديم تنازلات حقيقية، وبقدرة الوسطاء الدوليين على توفير ضمانات تحول دون انهيار أي تفاهمات محتملة...
وفي المحصلة، فإن تصريحات الرئيس الشرع لا تعني أن السلام بات وشيكًا، لكنها تعني أن دمشق تفتح نافذة سياسية جديدة، عنوانها: لا حرب عبثية، ولا تنازل عن الجولان، بل سلام عادل يقوم على الأمن المتبادل واستعادة الحقوق، وبين هذين الحدين ستتشكل ملامح المرحلة المقبلة، ليس في سوريا فحسب، بل في الشرق الأوسط بأسره.