
بين الهدنة الكبرى وإعادة هندسة الشرق الأوسط
ليست أهمية أي تفاهم أمريكي ـ إيراني محتمل في بنوده المعلنة فقط، بل في ما يكشفه من تحولات عميقة في موازين القوى التي تشكلت خلال العقود الماضية. فحين تصل قوتان متخاصمتان إلى نقطة البحث عن تسوية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة انتصار أحدهما على الآخر، بل قد يكون اعترافاً متبادلاً باستحالة الحسم العسكري وكلفة الاستمرار في الصراع.
لقد عاش الشرق الأوسط طوال أكثر من سبعة عقود على إيقاع الحروب المباشرة وغير المباشرة، والصراعات المفتوحة، والتحالفات المتبدلة. وخلال هذه الفترة، لم تتمكن أي قوة من فرض مشروعها كاملاً، كما لم تستطع أي جهة إقصاء خصومها نهائياً. ومن هنا تبدو أي تسوية شاملة بين واشنطن وطهران أقرب إلى محاولة لتنظيم الصراع وضبطه، لا إلى إنهائه بصورة نهائية.
اللافت في مثل هذه التفاهمات أنها تعكس اعترافاً ضمنياً بوجود قوى إقليمية فرضت نفسها على معادلات المنطقة. فسنوات المواجهة أثبتت أن الحركات المسلحة والقوى المتحالفة مع إيران أصبحت لاعباً مؤثراً لا يمكن تجاهله أو التعامل معه باعتباره مجرد تفصيل عابر في المشهد السياسي والعسكري. كما أثبتت في المقابل أن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك القدرة على إدارة التوازنات الإقليمية وحماية مصالحها الاستراتيجية وحلفائها.
لكن الخطأ يكمن في الاعتقاد بأن أي اتفاق من هذا النوع سيؤسس لعصر من الانسجام السياسي أو الشراكة الكاملة بين الطرفين. فالتاريخ يعلمنا أن التفاهمات الكبرى بين الخصوم تنشأ عادة من الضرورة، لا من الثقة. وهي غالباً ما تكون نتيجة توازن مؤقت للمصالح، يمكن أن يتغير بمجرد تبدل الظروف أو اختلال موازين القوى.
من زاوية أخرى، فإن أخطر ما قد ينتج عن مثل هذه الترتيبات ليس تثبيت النفوذ الأمريكي أو الإيراني فحسب، بل تكريس حالة التراجع العربي الرسمي عن التأثير الفعلي في صناعة مستقبل المنطقة. فالمشهد الإقليمي خلال السنوات الأخيرة كشف أن معظم العواصم العربية انتقلت من موقع المبادرة إلى موقع التفاعل مع قرارات تُصنع خارج حدودها، الأمر الذي يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل النظام العربي ودوره في القضايا المصيرية.
أما إسرائيل، فإن أي تهدئة واسعة النطاق ستمنحها فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب أولوياتها الأمنية والعسكرية. وفي الوقت نفسه ستمنح خصومها الفرصة ذاتها. ولذلك فإن الحديث عن رابح مطلق أو خاسر مطلق يبدو تبسيطاً مخلّاً لطبيعة الصراع المركب في المنطقة.
في تقديري، فإن جوهر المسألة لا يتعلق بوقف إطلاق النار بحد ذاته، بل بما سيجري خلال السنوات التي تليه. فالهدن الطويلة لا تُقاس بعدد الأيام التي تتوقف فيها المدافع، بل بقدرة الأطراف على استثمارها في بناء عناصر القوة السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية. فالأمم التي تتعامل مع الهدنة باعتبارها نهاية للصراع غالباً ما تفاجأ بعودة الصراع في ظروف أكثر تعقيداً، بينما تنجح الأمم التي تعتبرها فرصة للمراجعة وإعادة البناء في تحويل التحديات إلى مصادر قوة.
ولهذا فإن أي مرحلة تهدئة مقبلة يجب أن تُقرأ بوصفها فرصة لإعادة تقييم التجارب السابقة، ومراجعة الأخطاء، وترميم مواطن الخلل في بنية المجتمعات والدول والحركات السياسية على حد سواء. فالصراعات الكبرى لا تُحسم بالسلاح وحده، بل تُحسم أيضاً بامتلاك المعرفة، وبناء المؤسسات، وتعزيز الاقتصاد، وترسيخ ثقافة النقد والإصلاح.
قد تنجح القوى الكبرى في تجميد المواجهة لبعض الوقت، وقد تُرسم خرائط نفوذ جديدة، وقد تتغير التحالفات والعناوين. لكن الحقيقة الثابتة أن مستقبل الشرق الأوسط لن تحدده الاتفاقيات وحدها، بل قدرة شعوبه ودوله على استثمار لحظات الهدوء النادرة لصناعة قوة حقيقية ومستدامة. فالهدنة ليست نهاية التاريخ، وإنما استراحة بين فصلين من فصوله.