
بين حكومة الأمر الواقع وثقافة الغلبة: لماذا ما زلت في منطقة الانتظار؟
بقلم:
د. صلاح قيراطة – أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
ما زلت، بوعي كامل، في مساحة رمادية تجاه الحكومة الانتقالية في سورية برئاسة أحمد الشرع؛ فلا أنا في صفوف المؤيدين، ولا في معسكر المعارضين. بل أقف في “منطقة انتظار” يفرضها عليّ معيار واحد: مصلحة سورية قبل أي اصطفاف سياسي أو أيديولوجي.
منذ البداية، لم أجد ما يشي بأن هذا المسار ينسجم مع مضمون القرار الأممي 2254، الذي تحدث عن هيئة حكم انتقالية ذات طابع توافقي وشامل. لذلك أتعامل معها بوصفها حكومة أمر واقع نشأت من توازنات القوة لا من عقد سياسي جامع.
لكن توصيف “الأمر الواقع” لا يعني العداء. فمواقفي النقدية لم تكن يوماً هدماً أو تحريضاً، بل محاولة دائمة لتقديم مقترحات تُبقي على فكرة الدولة الجامعة لا منطق الانقسام. وحتى حين أقرأ سلوك هذه السلطة، أفهم دوافعها في تثبيت الحكم، وإن كنت لا أوافق بالضرورة على أدواتها، خاصة مع ما يبدو أحياناً كـ“تقية سياسية” هدفها التمكين التدريجي أكثر من بناء عقد نهائي.
وأتفهم حق أي سلطة في تثبيت وجودها في سياق شديد التعقيد، لكن ما لا يمكن تجاهله هو غياب مشروع دستوري واضح. لا يوجد ما يبرر تأجيل صياغة دستور جديد يُعرض على الشعب باستفتاء حر، لأن ذلك هو المدخل الحقيقي لأي شرعية مستقرة.
الأقرب إلى الواقع أن هذا التأجيل مرتبط بخشية من انكشاف حدود التوافق حول مرجعيات السلطة، وهو ما يعزز القناعة بأن الشرعية القائمة اليوم هي شرعية قوة وغلبة، لا شرعية تعاقدية أو دستورية أو انتخابية.
والمفارقة أن الاعتراف الخارجي بهذه السلطة يبدو أوسع بكثير من قبولها الداخلي، وهو ما يفتح أسئلة عميقة حول طبيعة الاستقرار نفسه.
لكن مصدر القلق الأعمق ليس فقط في بنية السلطة، بل في تمدد ثقافة الغلبة في محيطها الاجتماعي والسياسي، حيث تتصاعد لغة ترى الوطن غنيمة، والمواطنة ولاءً، والآخر خصماً أو فائضاً بشرياً.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل ما يطفو مؤخراً من اعتداءات تقع خارج أي إطار قانوني أو قضائي، وبعيداً عن ساحات العدالة والمحاكم، مع تصاعد مقلق في خطاب الكراهية، وتنامي سلوكيات وتعبيرات تحمل إيحاءات خطيرة باتجاه الإقصاء القسري أو حتى التهديد بالتطهير الاجتماعي/العرقي. وهي مؤشرات شديدة الخطورة إذا ما تُركت دون ضبط أو مساءلة، لأنها تنذر بتحويل الانقسام السياسي إلى انقسام مجتمعي عميق.
إن أخطر ما يهدد سورية اليوم ليس فقط أخطاء السلطة، بل تحول بعض ممارسات القوة إلى ثقافة يومية تُقصي الآخر وتعيد إنتاج منطق المنتصر والمهزوم.
لذلك، يبقى موقفي معلقاً: لن أحكم نهائياً على هذه الحكومة إلا من خلال مشروعها الدستوري الحقيقي، وعبر عقد اجتماعي واضح يُعرض على السوريين للاستفتاء الحر، لا عبر الشعارات أو الاعترافات الخارجية أو موازين القوة.
حينها فقط يمكن الحديث عن انتقال من شرعية الغلبة إلى شرعية الرضا.
إلى ذلك الحين، سأبقى في منطقة الانتظار: مواطن يرى أن الدولة لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا بالاصطفاف، بل بعقد وطني جامع يحوّل السوريين من جماعات متنازعة إلى شعب واحد ودولة واحدة للجميع.