
من وهم تغيير الشرق الأوسط إلى الخوف من تغييره:
لم تكن الصدمة الإسرائيلية هذه المرة ناجمة عن صاروخ إيراني، ولا عن عملية عسكرية لحزب الله، ولا حتى عن إخفاق استخباري جديد. الصدمة جاءت من مكان آخر تماماً:
من واشنطن...
فعلى امتداد سنوات طويلة، اعتادت إسرائيل أن تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها الشريك الذي يضمن تحويل الإنجازات العسكرية الإسرائيلية إلى مكاسب سياسية واستراتيجية. لكن ما تكشفه موجة المقالات والتحليلات في الصحافة العبرية اليوم هو شعور متزايد بأن هذه المعادلة بدأت تتصدع، وأن إسرائيل التي دخلت المواجهة مع إيران وهي تتحدث عن تغيير الشرق الأوسط، تخرج منها وهي تخشى أن يكون الشرق الأوسط قد تغيّر فعلاً، ولكن ليس وفق رؤيتها...
اللافت أن الخيط المشترك بين معظم الكتّاب الإسرائيليين، سواء من اليمين أو الوسط أو المعارضة، ليس الجدل حول تفاصيل مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية بقدر ما هو الإحساس بأن إسرائيل فقدت قدرتها على التأثير في صياغة المشهد السياسي الذي يلي الحرب...
لقد حققت إسرائيل، باعتراف معظم هؤلاء الكتّاب، إنجازات عسكرية واستخبارية كبيرة. استهدفت مواقع إيرانية، واغتالت شخصيات بارزة، وألحقت أضراراً بمنشآت حساسة، وأضعفت قدرات خصومها في أكثر من ساحة. لكن السؤال الذي يطارد النخبة الإسرائيلية الآن هو:
- ماذا بعد؟..
في الحسابات الاستراتيجية لا تُقاس الحروب بعدد الأهداف التي تم تدميرها، بل بالواقع السياسي الذي ينشأ بعدها. وهنا تحديداً تبدأ الأزمة الإسرائيلية...
فبدلاً من سقوط النظام الإيراني كما حلم بعض المتحمسين في تل أبيب، تجد إسرائيل نفسها أمام نظام ما زال قائماً، وأمام مفاوضات أمريكية إيرانية تمنح طهران متنفساً اقتصادياً واسعاً. وبدلاً من أن تتحول الحرب إلى منصة لعزل إيران إقليمياً، يبدو أن طهران عادت لاعباً لا يمكن تجاوز دوره في أي ترتيبات مستقبلية...
الأكثر إيلاماً بالنسبة للإسرائيليين ليس ما حصلت عليه إيران فقط، بل الطريقة التي جرى بها ذلك، فبحسب ما تعكسه الصحافة العبرية، فإن واشنطن تفاوضت ورتبت ونسقت مع قوى إقليمية متعددة، بينما اقتصر الدور الإسرائيلي على محاولة التأثير من الخارج أو الاعتراض على بعض البنود. وهنا يظهر هاجس جديد داخل إسرائيل: الخوف من التحول من شريك في صناعة القرار إلى مجرد طرف يتلقى نتائج القرارات...
هذا القلق يتجاوز الملف الإيراني ليصل إلى لبنان وسورية وغزة، فهناك إدراك متزايد داخل إسرائيل بأن البيئة الإقليمية بدأت تتجه نحو البحث عن تسويات واستقرار نسبي، بينما ما زالت الحكومة الإسرائيلية تتصرف بعقلية الحرب المفتوحة، ولذلك تتكرر في المقالات العبرية أسئلة لم تكن مطروحة بهذه الحدة من قبل:
- ما جدوى البقاء في جنوب لبنان؟..
- ما الهدف النهائي في غزة؟ وما هي الخطة السياسية لسوريا الجديدة؟..
المفارقة أن بعض الكتّاب الإسرائيليين باتوا يعترفون ضمناً بأن المشكلة لم تعد في نقص القوة العسكرية، بل في غياب الرؤية السياسية. فإسرائيل التي برعت في إدارة المعارك فشلت، بحسب منتقديها، في إدارة اليوم التالي للمعارك.
ومن هنا يمكن فهم حجم الانتقادات الموجهة إلى بنيامين نتنياهو. فخصومه لا يتهمونه بالفشل العسكري فقط، بل يتهمونه بما يعتبرونه فشلاً استراتيجياً أعمق:
تحويل الإنجازات التكتيكية إلى عبء سياسي، فالحرب التي كان يُفترض أن تعزز مكانة إسرائيل الإقليمية انتهت، وفق هذا المنطق، إلى زيادة عزلتها وإضعاف قدرتها على المناورة الدبلوماسية.
لكن وراء السجال الحزبي الإسرائيلي توجد حقيقة أكثر أهمية، فالإعلام العبري يعكس اليوم خوفاً حقيقياً من أن تكون المنطقة قد دخلت مرحلة جديدة عنوانها إعادة توزيع النفوذ بين القوى الإقليمية الكبرى، في وقت لم تعد فيه إسرائيل اللاعب الوحيد القادر على الوصول المباشر إلى واشنطن أو التأثير الحاسم في قراراتها...
لهذا السبب تبدو معظم المقالات الإسرائيلية وكأنها ليست نقاشاً حول اتفاق مع إيران فحسب، بل مراجعة قاسية لمرحلة كاملة بدأت بعد السابع من أكتوبر. فبعد عامين ونصف من الحروب المتعددة الجبهات، يكتشف كثير من الإسرائيليين أن إسقاط الأبراج أسهل من بناء الترتيبات السياسية، وأن تدمير الأهداف أسهل من صياغة المستقبل...
في النهاية:
لا تكمن المشكلة الإسرائيلية الأساسية في قوة إيران أو ضعفها، ولا في بقاء حزب الله أو تراجعه، بل في سؤال أكثر جوهرية: ماذا لو كان الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكل الآن لا يحتاج إلى إسرائيل بالقدر الذي كانت تتصور هي أنه يحتاج إليها؟
ذلك هو السؤال الذي يطارد النخبة الإسرائيلية اليوم، وهو أيضاً السبب الحقيقي وراء حالة القلق التي تتسرب من بين سطور صحفها ومعلقيها.