
دمشق ترفع جاهزيتها...
هل بدأت مرحلة الأمن الاستباقي؟.
إذا صحّت الأنباء المتداولة عن تشديد الإجراءات الأمنية في العاصمة دمشق، ونشر حواجز إضافية ورفع مستوى الجاهزية، فإن الأمر لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد إجراء روتيني، بل بوصفه مؤشرًا يستحق التوقف والتحليل...
منذ دخلت العمل العام قبل نصف قرن، كنت أردد دائمًا أن الأمن الحقيقي لا يبدأ بعد وقوع الجريمة، وإنما قبلها، فالدولة القوية ليست تلك التي تعلن القبض على الفاعلين بعد وقوع الانفجار، بل التي تمنع الانفجار أصلًا، فالأمن الناجح هو أمن استباقي، يعتمد على المعلومات والاستخبارات وتقدير المخاطر، لا على ردود الفعل وإدارة الأزمات بعد وقوعها...
ومن هذه الزاوية، فإن أي رفع لمستوى الإجراءات الأمنية يحمل في العادة رسالة مفادها أن لدى الدولة مؤشرات تستوجب مزيدًا من اليقظة، حتى لو لم تُعلن تفاصيلها للرأي العام. فالأجهزة الأمنية المحترفة لا تكشف كل ما تعرفه، ولا تنتظر حتى تتحول المعلومة إلى كارثة...
لكن قراءة المشهد السوري اليوم لا يمكن فصلها عن البيئة الإقليمية المحيطة. فالمنطقة تعيش إعادة رسم لموازين القوى، وسوريا أصبحت طرفًا في ملفات تتجاوز حدودها، من مكافحة الإرهاب، إلى ضبط الحدود، وصولًا إلى النقاش المتزايد حول مستقبل سلاح حزب الله والدور الذي قد يُطلب من دمشق أن تؤديه في هذا الملف شديد الحساسية...
وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الأمن الداخلي هو خط الدفاع الأول عن القرار السياسي. فكلما اقتربت دولة من اتخاذ خيارات استراتيجية، ازدادت احتمالات تعرضها لمحاولات الضغط، سواء عبر التهديدات المباشرة، أو من خلال تحريك خلايا نائمة، أو تنفيذ عمليات محدودة هدفها إرسال رسائل سياسية أكثر من تحقيق مكاسب عسكرية...
ولا يخفى على أحد أن أي تحول في الموقف السوري قد لا يرضي أطرافًا إقليمية اعتادت استخدام الأوراق الأمنية وسيلةً للتأثير في قرارات الدول. وإذا كانت قد وُجّهت بالفعل رسائل أو تحذيرات غير معلنة إلى دمشق، فإن التعامل معها برفع مستوى الجاهزية لا يعكس خوفًا، بل يعكس احترافًا في إدارة المخاطر...
كما أن المرحلة الحالية تفرض على المؤسسات الأمنية السورية أن تفترض أسوأ السيناريوهات قبل وقوعها، لا أن تنتظر تحققها. فالتاريخ يعلمنا أن الدول التي تدخل أدوارًا إقليمية جديدة تصبح أكثر عرضة لمحاولات الاختبار والاستنزاف، وأن الخصوم غالبًا ما يبدؤون باستهداف الداخل عندما يعجزون عن تغيير القرار السياسي...
قد تكون الإجراءات الحالية احترازية بحتة، وقد تكون استجابة لمعلومات استخبارية محددة، وقد تكون جزءًا من خطة أشمل لحماية الاستقرار الداخلي في مرحلة دقيقة. لكن المؤكد أن الدولة التي تستبق الخطر تكون قد قطعت نصف الطريق نحو إفشاله...
وفي عالم الاستخبارات، لا تُقاس كفاءة الأجهزة بعدد الحواجز التي تُنصب، بل بعدد الأزمات التي لا يعلم المواطن أصلًا أنها كانت على وشك الوقوع، وحين يصبح الأمن سابقًا للحدث، لا لاحقًا له، تكون الدولة قد انتقلت من إدارة الأخطار إلى صناعة الاستقرار.