
ليس كل من يرفع راية المقاومة صاحب قضية.
د. صلاح قيراطة
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
إلى أولئك الذين ما زالوا ينظرون إلى إيران من زاوية طائفية، ويتدثرون بشعار "المقاومة"، أقول:
إن المفارقة أن بعض هؤلاء أنفسهم كانوا، في الأيام الأولى التي أعقبت سقوط النظام السوري، يطالبون إسرائيل علنًا بالتدخل، بل أعلن بعضهم استعداده للترحيب بها إن دخلت دمشق. ولم يكن موقفهم نابعًا من حرص على الدولة أو مؤسساتها، وإنما من خوف على امتيازات راكموها عبر عقود من النفوذ والمحسوبيات والفساد...
وأقول ذلك وأنا الذي كنت جزءًا من تلك المرحلة، ولذلك فإن شهادتي ليست شهادة خصم، بل شهادة من عرف الواقع عن قرب...
لقد نظر بعضهم إلى أنفسهم وكأنهم أصحاب حق حصري في الدولة، حتى بدا أنهم يتعاملون معها بعقلية لا تختلف كثيرًا عن فكرة "الشعب المختار". ولهذا لم يكونوا أصحاب قضية وطنية بقدر ما كانوا أصحاب امتيازات يخشون فقدانها...
واليوم، كلما انتقد أحدٌ سياسات إيران أو مشروعها الإقليمي، سارعوا إلى اتهامه بالعمالة لإسرائيل، وكأن رفض الهيمنة الإيرانية يعني بالضرورة تأييد الاحتلال الإسرائيلي. إنها معادلة زائفة لا تصمد أمام أي قراءة سياسية موضوعية...
والحقيقة أن الخطاب الطائفي الصريح فقد بريقه، فاستبدله أصحابه بشعار "محور المقاومة"، ليصبح غطاءً جديدًا لخطاب قديم، بينما أثبتت الوقائع أن الشعارات وحدها لا تصنع مواقف وطنية...
لقد شاهد العالم الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في غزة، كما شاهد في المقابل كيف تحولت المنطقة إلى ساحة صراع إقليمي دفعت أثمانه دول عربية أكثر مما دفعه غيرها. ومن هنا كنت أقول دائمًا إن القضية الفلسطينية خذلها العرب، وخدعتها أيضًا الوعود الإيرانية التي لم ترتقِ إلى مستوى الخطاب الذي رُفع باسمها...
وأستحضر هنا واقعة شخصية تعود إلى منتصف التسعينيات، حين جمعتني جلسة خاصة مع شخصية أمنية سورية رفيعة المستوى كانت مسؤولة عن ملف العلاقات الأمنية السورية الإيرانية، ومن أكثر المقربين إلى الرئيس الراحل حافظ الأسد...
قال لي يومها بوضوح:
"كنا نعرف جيدًا مطامع إيران في المنطقة، ولم تكن علاقتنا بها يومًا علاقة استراتيجية كما يتصور البعض، ولم ولن نسمح لها بالتدخل في شؤوننا الداخلية"...
ثم أضاف عبارة لا تزال عالقة في ذاكرتي:
"كنا نتعامل مع الإيرانيين بمنتهى الحذر والمهنية، لا بالعواطف ولا بالشعارات"...
أنقل هذه الشهادة بعد نحو ثلاثين عامًا لأنها تعبّر عن رؤية رجل كان في قلب المؤسسة الأمنية، ويعرف من تفاصيل هذا الملف ما لا يعرفه كثيرون.
إن نقد السياسات الإيرانية لا يعني الانحياز لإسرائيل، كما أن رفض الاحتلال الإسرائيلي لا يعني منح أي مشروع إقليمي صك براءة. فالاحتلال يبقى احتلالًا، والتدخل يبقى تدخلًا، مهما اختلفت الرايات والشعارات...
لقد دفعت سورية، كما دفعت دول عربية أخرى، أثمانًا باهظة لأنها صدّقت الخطابات أكثر مما قرأت الوقائع. أما الذين يصرّون على اختزال كل نقد لإيران في تهمة "العمالة"، فهم لا يدافعون عن فلسطين بقدر ما يدافعون عن أوهام سياسية لم تعد تصمد أمام حقائق الميدان...
أما موقفي، فسيبقى ثابتًا لا يتغير:
سأقف ضد كل مشروع يريد أن يجعل من بلادي ساحة لتصفية الحسابات، سواء جاء مرتديًا بزّة عسكرية، أو ربطة عنق، أو عمامة سوداء أو بيضاء.
فالوطن لا يحتاج أوصياء، بل يحتاج دولةً سيدةً على قرارها، تؤمن أن سورية لا تكون إلا للسوريين، وأن استقلال القرار الوطني هو أول معاني السيادة، وآخر خطوط الدفاع عنها.