من الاستبداد المطلق إلى الفراغ القاتل.. كيف مهدت هندسة حافظ الأسد للدولة الطريق لواقع سورية اليوم

Salah Kirata • ٢٠‏/٦‏/٢٠٢٦

48618.png


من الاستبداد المطلق إلى الفراغ القاتل..                             كيف مهدت هندسة حافظ الأسد للدولة الطريق لواقع سورية اليوم؟:
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

لا يختلف اثنان من قراء التاريخ السياسي الحديث على أن مرحلة حكم حافظ الأسد كانت مرحلة إشكالية بامتياز، اتسمت بقدرة استثنائية على المناورة وبناء سلطة مطلقة، ولكن على حساب تجريف البنية السياسية والمجتمعية لسورية، إن قراءة المشهد السوري المعقد اليوم، ووصول فصائل مصنفة على لوائح الإرهاب مثل "هيئة تحرير الشام" إلى سدة الحكم في مناطق واسعة، لا يمكن فصله بحال من الأحوال عن السياسات الجينية التي زرعها الأسد الأب طوال ثلاثة عقود من الحكم الفردي...
لقد بدأت معالم هذه المرحلة بصراع حزبي داخلي، حين قاد الأسد ما سمي "الحركة التصحيحية" عام 1970، والتي كانت في جوهرها انقلاباً استباقياً على رفاقه في قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي، تملصاً من المحاسبة والمساءلة عن أدوار ومسؤوليات تاريخية، لا سيما ما ارتبط بنكسة حزيران. ومنذ تلك اللحظة، رُسمت معالم الدولة السورية الجديدة، إذ صرنا أمام  دولة تُختزل في شخص واحد، ولتأمين هذا الحكم الفردي، اعتمدت الاستراتيجية الأسدية على توليفة معقدة بدأت بـ "اختطاف الطائفة العلوية" وعسكرتها، ومن خلالها جرى السيطرة الكاملة على الجيش والقوات المسلحة، ليتدحرج حجر الدومينو تِباعاً ويسقط الحزب والدولة في قبضة المنظومة الأمنية، ولم يكن حزب البعث ذاته ناجياً من هذه الهيكلة؛ إذ جرى تعطيل دوره الفكري والقائد بشكل ممنهج، وإفراغه من مضامينه العقائدية ليتحول إلى ما يشبه "مديرية علاقات عامة وإعلام" تابعة للقصر الجمهوري، حيث غاب القرار الحزبي المستقل وأصبح قادة القيادتين القطرية والقومية يترقبون إشارات المقربين من الرئاسة لالتماس لقاء الحاكم المطلق.
ولم تقف هندسة السلطة عند حدود إخضاع الحاضر، بل امتدت لتكبيل المستقبل من خلال تعطيل المؤتمرات الحزبية الدورية، في خطوة تمهيدية واضحة ومدروسة لتهيئة مناخ "التوريث السياسي" وحصر قيادة البلاد في الأبناء...
وفي سياق ترسيخ هذه القوة، مثلت المواجهة المسلحة مع جماعة الإخوان المسلمين في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات — وبخاصة بعد أحداث أليمة كمجزرة كلية المدفعية — فرصة ذهبية استغلها النظام إلى حدها الأقصى. إذ اتُخذت الأعمال الإجرامية للجماعة ذريعة شرعية لإحكام القبضة الأمنية العسكرية المطلقة، وإلغاء أي هامش للعمل السياسي المدني أو المعارضة الوطنية السلمية، وكانت النتيجة المباشرة هي تحويل سورية من دولة مؤسسات إلى ما يشبه "الملكية الشخصية"، وهو الميراث الذي نُقل لاحقاً إلى الابن بشار الأسد.. 
لذا:
فإن القراءة العميقة للانهيار السوري تشير إلى أن تسيير البلاد بعقلية المزرعة الشخصية، وإغلاق المجال العام، وتدمير النخب السياسية البديلة، أدى إلى خلق "مغسلة للمؤسسات الوطنية"، وعندما انفجر الشارع السوري في حراكه، الذي تحول بفعل القمع العسكري والتدخلات الخارجية إلى صراع مسلح صبغت فيه التيارات الإسلامية والراديكالية المشهد بالكامل، تبين أن العقود الأربعة من الحكم الشمولي لم تترك خلفها دولة قوية قادرة على الصمود، بل تركت هيكلاً أجوفاً انهار أمام أول هزة حقيقية...
 واعتقد هنا:
إن الربط السببي هنا يبدو منطقياً وصادماً في آن واحد؛ فلو لم يتفرد حافظ الأسد بالحكم، ولو لم يتعامل مع سورية كعقار عائلي، لكانت هناك حياة سياسية طبيعية، ومؤسسات وطنية حقيقية، ومعارضة مدنية ناضجة قادرة على قيادة التحول الديمقراطي في البلاد، إن غياب هذه البدائل الوطنية نتيجة التجريف الأسدي التام، هو الذي ترك الساحة السورية فارغة تماماً، لتملأ هذا الفراغ - بعد صراعات وتوازنات دولية وإقليمية معقدة - جماعات إسلامية متشددة مثل هيئة تحرير الشام. باختصار:
لذا يمكنني أقول وانا عن قولي مسؤول:
"  إن تطرف الحاضر وفوضاه هما الابن الشرعي لاستبداد الماضي وتفرده".