
حين يصبح التراجع سياسة...
ماذا يقول تذبذب الموقف الأميركي لخصوم واشنطن؟:
في السياسة الدولية، لا تُقاس قوة الدول بحجم ترساناتها العسكرية أو نفوذها الاقتصادي فحسب، بل بقدرتها على إقناع الحلفاء والخصوم بأن قراراتها مستقرة، وأن استراتيجيتها لا تتغير مع تبدل المزاج أو ضغط اللحظة، فالمصداقية هي رأس المال الحقيقي لأي قوة عظمى، وعندما تهتز هذه المصداقية، تبدأ حسابات الآخرين بالتغير...
هذا ما يثير الجدل اليوم حول أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إدارة الملفات الخارجية، فخلال فترة وجيزة، انتقل الحديث من فرض رسوم بنسبة 20% على السفن العابرة لمضيق هرمز، في خطوة كانت ستشكل ضغطاً اقتصادياً وسياسياً كبيراً على حركة التجارة والطاقة، إلى تبني مقاربة مختلفة تقوم على توسيع الشراكات الاقتصادية والاستثمارات مع دول الخليج، باعتبارها أكثر جدوى في تحقيق المصالح الأميركية...
قد يكون من حق أي إدارة أن تعيد تقييم سياساتها وفق المستجدات، فهذا جزء طبيعي من العمل السياسي، لكن المشكلة لا تكمن في مراجعة القرار، بل في السرعة التي تتبدل بها المواقف، وفي غياب إطار استراتيجي واضح يفسر أسباب هذا التحول، الأمر الذي يترك انطباعاً بأن القرارات تصدر كردود فعل أكثر منها نتاج رؤية متماسكة ولذلك، فإن محاولات بعض أركان الإدارة الأميركية تقديم كل تراجع على أنه جزء من خطة محكمة لا تقنع كثيراً من المراقبين، خصوصاً أن تجربة ترامب أظهرت مراراً ميلاً إلى اتخاذ قرارات مفاجئة ثم تعديلها أو التراجع عنها، إلى جانب استبعاد شخصيات نافذة كلما اختلفت مع توجهاته، وهذا السلوك، سواء اتفقنا أو اختلفنا معه، أصبح جزءاً من الصورة التي يتعامل معها العالم...
والأهم من ذلك أن الخصوم لا يحاكمون النوايا، بل يقرؤون النتائج. فمن الطبيعي أن تستنتج إيران، ومعها قوى أخرى تنافس الولايات المتحدة، أن الصمود وإطالة أمد المواجهة قد يؤديان إلى تعديل الموقف الأميركي، وأن عامل الزمن يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط بحد ذاته. وقد لا يكون هذا الاستنتاج صحيحاً في جميع الحالات، لكنه يصبح أكثر حضوراً كلما تكررت مشاهد التراجع أو إعادة التموضع...
وهنا تكمن المفارقة؛ فسياسة الضغط تفقد جزءاً كبيراً من فعاليتها عندما يعتقد الطرف المقابل أن بإمكانه انتظار تبدل القرار، فالردع لا يقوم على امتلاك أدوات القوة فقط، بل على اقتناع الخصم بأن الإرادة السياسية لا تقل صلابة عن تلك الأدوات...
إن السياسة ليست اختباراً للعناد، ولا التراجع عيباً إذا فرضته معطيات جديدة، لكن الدول الكبرى مطالبة دائماً بأن تجعل مراجعاتها مفهومة ومنسجمة مع رؤية استراتيجية واضحة، أما عندما تتحول التحولات المتكررة إلى سمة دائمة، فإنها تمنح الخصوم فرصة لإعادة بناء حساباتهم، وتدفع الحلفاء إلى التساؤل عن مدى موثوقية الالتزامات الأميركية...
وفي عالم يموج بالأزمات، قد تكون الرسائل غير المقصودة أخطر من القرارات نفسها؛ لأن ما يرسخ في أذهان الخصوم ليس ما تقوله واشنطن، بل ما يعتقدون أنهم تعلموه من سلوكها، وإذا ترسخ لديهم أن الصبر كفيل بتغيير الموقف الأميركي، فإن ذلك لن يؤثر في الملف الإيراني وحده، بل سيمتد إلى كل ساحة تختبر فيها الولايات المتحدة قدرتها على فرض الإرادة والحفاظ على هيبة القرار.