بين ذاكرة الشجر وثقافة الغلبة

Salah Kirata • ١٥‏/٧‏/٢٠٢٦

56985.png


بين ذاكرة الشجر وثقافة الغلبة:

ثمة لحظات تكشف معدن المجتمعات أكثر مما تكشف مواقف الأفراد، ومن أكثرها قسوة تلك التي يصبح فيها الموقف الأخلاقي تهمة، والدعوة إلى الوحدة الوطنية سببًا للتحريض والكراهية...

عندما وصلت هيئة تحرير الشام إلى الحكم في سورية، في سياق تحولات فرضتها تقاطعات ومقايضات دولية وإقليمية، عزيت أسرة أحد رجال الأمن الذين قضوا أثناء أداء واجبهم، لم يكن ذلك دفاعًا عن سلطة ولا تبريرًا لسياساتها، وإنما دفاعًا عن مبدأ بسيط: الإنسان لا يفقد حقه في التعزية لأنه يرتدي زيًا رسميًا، والجريمة تُدان لأنها جريمة، لا تبعًا لهوية الضحية أو انتماء الجاني.

قلت يومها إن من ارتكب الجريمة إنما فعل لأنه مهرب لا لأنه ينتمي إلى هذه الطائفة أو تلك، ومن رحل كان ذلك لأنه رجل أمن يقوم بواجبه لا لأنه ينتمي إلى شريحة من البوت برأيهم، وعندما قلت كنت أدافع عن فكرة الدولة وسيادة القانون، لا عن الأشخاص، لكن بعض من سكروا بنشوة الانتصار قرأوا كلامي بعين الغلبة، لا بعين العدالة، فانهالت عليّ حملة من التشهير والشتائم، ووصل الأمر إلى تهديدي بالقتل إن عدت يومًا إلى مدينتي، وهو من جعلني أرى عدم العودة التي كنت اعد لها وقتها...

ولدت في تلك المدينة، ومع ذلك لم تتخلص تمامًا من نظرتها التقليدية إلى من تعتبرهم "وافدين"،فما زالت ألقاب مثل "الشامي" و"الحمصي" و"الحلبي" و"الحموي" تُستخدم للدلالة على أن أصحابها جاءوا يومًا من مكان آخر، وكأن الزمن لا يكفي ليمنح الإنسان حق الانتماء الكامل، إنها بقايا ثقافة تفرز الناس بين "أصيل" و"غريب"، وهي العقلية نفسها التي يسهل عليها لاحقًا أن تفرزهم بين موالٍ ومعارض، أو بين ابن طائفة وأخرى...

ومنذ ساعات شاهدت مقطعًا مصورًا لمدخل المدينة، كانت الأشجار تمتد على جانبي الطريق في مشهد يبعث على الفرح، ابتسمت لأنني تذكرت أنني كنت من خطط وجهز وجاء بالاشجار واعد كل أشكال الدعم اللوجيستي، ليقوم بعد ذلك مجموعة من الرفاق والرفيقات من الشباب والشابات في اتحاد شبيبة الثورة الذي كنت رئيسه يوما في حيز جغرافي تقع هذه المدينة في مركزه، نعم كنت مع الرفاق في عمل تطوعي قبل أربعة عقود...

لما رأيت الشريط  أدركت أن الشجر كان أوفى من كثير من البشر؛ فقد احتفظ بثمر العطاء، بينما احتفظ بعض الناس فقط بروايات قديمة وإشاعات، وأقاموا عليها أحكامًا أخلاقية قاسية، دون أن يسأل أحد نفسه عن ظروفها أو حقيقة ما جرى...

وابتسمت مرة أخرى عندما تذكرت أن أحد الذين أصبحوا لاحقًا أصحاب نفوذ في المدينة كان يافعا في فرقة كورال ساهمت أيضا انا في تأسيسها وانتشارها حتى صار لها أنشطة ورصيد على مستوى القطر كاملا...

للاسف:
 هكذا يفعل الزمن؛ يغيّر المواقع، لكنه لا يغيّر حقيقة أن البناء أصعب بكثير من الهدم، وأن غرس شجرة أو تأسيس نشاط ثقافي أبقى أثرًا من آلاف خطابات الكراهية...

لقد علمتني الحياة أن أخطر ما تفعله ثقافة الغلبة أنها تعطل الضمير قبل العقل، وتجعل الناس يحاكمون الأشخاص بهوياتهم لا بأفعالهم، ويختزلون تاريخ الإنسان كله في رواية واحدة توافق أهواءهم.

أما أنا، فما زلت أؤمن بأن الوطن لا يبنى بالانتقام، ولا بالتصنيفات، ولا بإلغاء المختلف، وإنما بالعدالة والإنصاف والاعتراف بأن المواطنة هي الانتماء الوحيد الذي ينبغي أن يسمو على كل الانتماءات الأخرى. وستبقى الأشجار التي غرسناها شاهدًا هادئًا على أن ما يُزرع حبًا للوطن يبقى، أما الأحقاد فمصيرها أن تذبل مهما طال الزمن.