تشريح الجيوبوليتيك: كيف سقطت الجبهة الشرقية لإسرائيل

Salah Kirata • ١٥‏/٧‏/٢٠٢٦

56987.png


تشريح الجيوبوليتيك:
 كيف سقطت الجبهة الشرقية لإسرائيل؟..
أو بشكل أدق:
من بغداد لدمشق، هل تفكيك الجبهة الشرقية لإسرائيل مصادفة أم استراتيجية؟.. 

بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

التاريخ لا تصنعه المصادفات، بل تكتبه توازنات القوة والاستراتيجيات بعيدة المدى، وعندما نتأمل ما جرى للعراق وسورية خلال العقود الأخيرة، يصعب تجاهل التشابه المذهل في النتائج :

-  جيشان عربيان كانا يشكلان عماد الجبهة الشرقية في مواجهة إسرائيل تعرضا الاستنزاف ومن ثم التدمير...      - ونظامان حاكمان سقطا، وحزبان قوميان قادا البلدين لعقود انتهى وجودهما...
* فهل هو مجرد تزامن تاريخي، أم أنه يستحق قراءة جيوبوليتيكية أعمق؟

في حرب تشرين 1973، لم تكن سورية وحدها على جبهة الجولان، بل شاركت القوات العراقية في القتال وأسهمت في تعزيز الدفاع عن دمشق، ومنذ ذلك الحين، ظل مفهوم "الجبهة الشرقية" يمثل أحد أهم هواجس المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لأن أي مواجهة مستقبلية كانت تعني احتمال تنسيق عسكري بين دمشق وبغداد...

وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز تجاوزه:

 - كيف انتهى الأمر بجيشين شاركا في حرب تشرين إلى الخروج من معادلة الردع؟..
-  وكيف سقط النظامان اللذان حكما البلدين، وانتهى الحزبان اللذان قادا مشروعهما السياسي لعقود؟..

إن تشابه النتائج يدفع إلى البحث عن السياق الاستراتيجي الذي جمع بين هذه الأحداث:

في العراق، لم يكن الغزو الأمريكي عام 2003 مجرد إسقاط لنظام سياسي، بل إعادة هندسة للدولة، فقد أصدر الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر قرار اجتثاث حزب البعث، ثم القرار الأخطر بحل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية، وهو ما أدى إلى إخراج أحد أكبر الجيوش العربية من معادلة القوة الإقليمية، وفتح الباب أمام فراغ أمني وسياسي ما زالت آثاره مستمرة...

أما في سورية، فقد اتخذت العملية شكلاً مختلفاً وأكثر تعقيداً، فبعد اندلاع الاحتجاجات عام 2011، سرعان ما تحولت البلاد إلى ساحة حرب إقليمية ودولية متعددة الأطراف، وخلال سنوات الصراع، تعرض الجيش العربي السوري لحملة استنزاف غير مسبوقة، بعدما زُجّ في حرب طويلة على عشرات الجبهات، في مواجهة تنظيمات مسلحة متعددة الولاءات، مدعومة بدرجات متفاوتة من قوى خارجية، ولم يكن أثر ذلك مقتصراً على الخسائر البشرية، بل طال البنية العسكرية، ومخازن التسليح، والقواعد، ومنظومات الدفاع، حتى خرج الجيش الذي كان يوماً أحد أكبر الجيوش العربية من الحرب منهكاً ومجرداً من جانب كبير من قدراته التقليدية، وكانت النتيجة الطبيعية أن تم حله بعد أن تم افقاده مضامينه الوطنية والقومية في سياق شيطنته تمهيد لكل ما حدث ونتيجته إنهاء هذا الجيش الذي قاتل الجيش الإسرائيلي في كل الحروب التي خاضها العرب مع الكيان...

وفي موازاة ذلك، واصلت إسرائيل تنفيذ مئات الضربات الجوية ضد مواقع عسكرية داخل سورية بذريعة منع التموضع الإيراني ومنع نقل الأسلحة النوعية، في حين استمر الوجود العسكري الأمريكي في شرق الفرات، حيث تتركز أهم الموارد النفطية والزراعية السورية، وبذلك اكتملت، من منظور جيواستراتيجي، عملية إنهاك عناصر القوة السورية، لا عبر غزو مباشر كما حدث في العراق، بل عبر حرب استنزاف طويلة انتهت إلى نتائج استراتيجية متقاربة...

هذه القراءة لا تعني إنكار مسؤولية العوامل الداخلية، فالاستبداد، والفساد، وضعف المؤسسات، وسوء إدارة الأزمات، كلها عوامل أسهمت في إضعاف الدولتين، لكنها لا تلغي في الوقت نفسه حجم التدخلات الخارجية التي استثمرت تلك الأزمات ووجهتها بما يخدم مصالحها الاستراتيجية...

ولعل ما يعزز هذا الاستنتاج أن وثائق منشورة سبقت كثيراً من هذه الأحداث. ففي عام 1996، دعا تقرير Clean Break، الذي أعده عدد من المحافظين الجدد لصالح حكومة بنيامين نتنياهو، إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل، مع اعتبار العراق وسورية من أبرز التحديات التي ينبغي التعامل معها، كما تحدث الجنرال الأمريكي المتقاعد ويسلي كلارك عن مذكرة اطلع عليها بعد أحداث 11 سبتمبر تضمنت خططاً للتعامل مع عدد من دول المنطقة، من بينها العراق وسورية، وهي شهادة أثارت نقاشاً واسعاً رغم استمرار الجدل حول بعض تفاصيلها...

أما المقولة المنسوبة إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بأنه أبلغ القيادة الإسرائيلية بعد احتلال العراق أنه " لا خطر قادم من العراق بعد اليوم  على إسرائيل انتهى" فهي تعبر وتفسر كل ما حدث ... 

ومع ذلك، تبقى الحقيقة التي لا خلاف عليها أن إسرائيل خرجت، من الناحية الاستراتيجية، أكثر أمناً مما كانت عليه قبل عام 2003، فقد اختفت الجبهة العراقية، واستُنزفت سورية، وانشغلت معظم الدول العربية بأزماتها الداخلية، بينما تبدلت أولويات المنطقة من الصراع العربي الإسرائيلي إلى صراعات داخلية وإقليمية متشابكة...

إن الأمن القومي لا يُقاس ببقاء الأنظمة أو سقوطها، بل بقدرة الدولة على حماية مؤسساتها وجيشها ووحدتها الوطنية، وما جرى في العراق وسورية يؤكد أن تلاقي الأخطاء الداخلية مع المصالح الدولية قد يقود إلى نتائج تتجاوز حدود البلدين لتعيد رسم التوازنات الإقليمية بأكملها...

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على كل باحث في الجيوبوليتيك: 
+ هل كان من قبيل المصادفة أن يُدمَّر جيشان عربيان شاركا في حرب تشرين، وأن يسقط النظامان اللذان حكما البلدين، وأن يُطوى عهد الحزبين القوميين اللذين قادا العراق وسورية لعقود؟ أم أن ما جرى كان جزءاً من إعادة صياغة للخريطة الاستراتيجية في المشرق العربي؟..

قد تختلف الإجابات في تفسير الأسباب، لكن يصعب إنكار أن إسرائيل كانت، على المستوى الجيوسياسي، من أبرز المستفيدين من هذا التحول التاريخي، حتى وإن لم تكن وحدها من صنع جميع أسبابه. وهذه الحقيقة، سواء اتُّفق معها أم اختلف حولها، تستحق أن تُقرأ بعين الباحث لا بعاطفة السياسي، وأن تُناقش بوثائق التاريخ ومنطق الجيوبوليتيك، لا بالشعارات والانطباعات.