لم أختر سلاح مدفعية الميدان يوما، حبًا في الحرب... بل هربًا من وجه القتيل

Salah Kirata • ٢٤‏/٧‏/٢٠٢٦

60734.png

لم أختر سلاح مدفعية الميدان يوما، حبًا في الحرب...
 بل هربًا من وجه القتيل.

ثمة أسئلة لا تولد في قاعات الدرس، ولا في ساحات التدريب، بل في أعماق الضمير.

كان ذلك في عام 1978، حين كنت على وشك الانتقال إلى السنة الثانية في الكلية الحربية، حيث يحين موعد اختيار الاختصاص العسكري، كنت يومها الأول على مجموعتي، بعد أن نلت العلامة الكاملة في مادتي التكتيك والثقافة القومية الاشتراكية، فبلغ معدلي 94.589، الأمر الذي جعل أبواب الاختصاصات مفتوحة أمامي، وجعل قائد المجموعة ينظر إليّ بعين الرضا...

لكنني، على خلاف كثيرين، لم أكن أفكر في أي سلاح يمنحني وجاهةً أكبر أو نفوذًا أوسع، بل كنت أبحث عن سلاح يترك أقل ندبة ممكنة على روحي...

خلال إحدى الإجازات، جلست مع والدي، وهو مقاتل مخضرم في سلاح المدرعات، عرف الحرب كما يعرف الفلاح أرضه، وخبر صوت المدافع كما خبر صمت المقابر...

سألته سؤالًا ظل يؤرقني:

- أبي... هل كنت تستطيع أن تقتل إنسانًا؟..

نظر إليّ باستغراب، وكأن السؤال بديهي، ثم قال بحزم:

- طبعًا... إنه عدو محتل، وأنا صاحب حق. ثم إن لم أقتله أنا، فسيقتلني هو...

لم تكن إجابته قاسية، بل كانت صادقة، كانت خلاصة رجل عاش معادلة الحرب كما هي، بلا زينة ولا شعارات، في ميدان القتال، قد لا يكون أمامك إلا خياران: 
أن تطلق النار أو تستقبلها.

هززت رأسي، ثم قلت له بهدوء:

- لهذا سأختار مدفعية الميدان... أستطيع أن أقاتل، لكنني لا أريد أن أرى وجه من يسقط أمامي...

لم أكن أرفض الدفاع عن الوطن، ولم أكن أبحث عن طريق أقل خطرًا، وإنما كنت أعترف لنفسي بأنني لا أملك تلك القسوة التي تجعل إصبعًا يضغط الزناد وهو يحدق في عين إنسان آخر...

ربما يستطيع بعض الناس أن يقتلوا ثم يناموا مطمئنين... أما أنا، فكنت أخشى أن يرافقني وجه القتيل إلى آخر العمر...

ومع مرور السنوات، ازددت يقينًا بأن ثمة فرقًا شاسعًا بين جندي اضطرته الحرب إلى حمل السلاح دفاعًا عن وطنه، وبين إنسانٍ جعل القتل هواية، أو رسالة، أو وسيلة للتقرب إلى الله...

ولعل أكثر ما يثير دهشتي واشمئزازي أولئك الذين يفجرون الأسواق، والمشافي، والمدارس، ودور العبادة، فيحصدون عشرات الأبرياء في لحظة واحدة، ثم يظنون أنهم يمضون إلى النعيم، وأن أبواب الجنة ستُفتح لهم لأنهم أكثروا من الدماء...

- أي انحراف هذا الذي يحوّل الإنسان إلى قنبلة؟..
-  وأي فهم للدين يجعل قتل الأطفال والنساء والشيوخ طريقًا إلى رضوان الله؟..
 إن الإله الذي خلق الحياة لا يمكن أن يجعل ازدراءها عبادة، ولا يمكن أن تكون الجنة مكافأة لمن يصنع الجحيم على الأرض.

لقد علمتني الحياة أن البطولة ليست في عدد من نقتل، بل في عدد من نحمي، وأن القوة الحقيقية ليست في قسوة القلب، بل في قدرته على أن يبقى إنسانيًا حتى في أقسى الظروف...

ولذلك، لم أختر المدفعية لأنني كنت أعشق الحرب، بل لأنني كنت أخشى أن أفقد إنسانيتي...

وما زلت، بعد كل هذه العقود، أؤمن أن الضمير الذي يتألم لروحٍ أُزهقت، حتى في زمن الحرب، هو آخر ما ينبغي للإنسان أن يخسره. فإذا مات الضمير، لم يعد للسلاح عدوٌ واحد... بل أصبح العدو هو الإنسان نفسه.